| التميز خلال 24 ساعة | |||||
| العضو المميز | المشرف العام المميز | المشرف المميز | الموضوع المميز | القسم المميز | |
|
shahenaz17 |
shahenda10 |
Diamonda |
قول الموال
بقلم : waleed fhed |
|
|
الإهداءات |
|
|
|||||||
| التصميم الهندسي قسم يهتم بشرح التصاميم والديكورات المعماريه |
| الملاحظات |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||||||||
|
||||||||||
|
المعالجات المناخية في تخطيط وتصميم مباني المدينة الإسلامية: أولاً الظروف والمشكلات المناخية: يشغل معظم العالم الإسلامي الآن ، على خريطة العالم ، كتلة متصلة البنيان في النصف الشمالي من أفريقيا والربع الجنوبي الغربي من آسيا ، وهناك كتلة إسلامية أساسية تتمثل في جزر وأشباه جزر جنوب شرق آسيا ، وتتكون منها أساسا دولتا إندونيسيا وماليزيا ، وبين هاتين الكتلتين الإسلاميتين منطقة ثالثة صغيرة المساحة ولكنها عظيمة الكثافة السكانية وتتمثل في بنجلاديش ، أما قارة أوروبا ففيها دولة إسلامية واحدة هي ألبانيا(1). إن الاستعراض السابق يوضح أن العالم الإسلامي يشغل حاليا كتلا ونطاقات عظيمة على خريطة العالم ، وهي إن كانت غير متصلة في بعض أجزائها إلا أنها تمتد من ساحل أفريقيا الشمالية المطل على المحيط الأطلنطي غربا إلى أقصي الجزر الإندونيسية المطلة على المحيط الهادي شرقا ، ومن خط عرض 25 جنوبي خط الاستواء إلى خط عرض 55 درجة شمالا قرب الدائرة القطبية الشمالية (2)، وبذلك يمتد العالم الإسلامي بالنسبة لدوائر العرض خلال 57 درجة عرضية تشتمل على عدد كبير من الأقاليم المناخية. ويأتي تقسيم العالم إلى مناطق مناخية متعددة نظرا لتغير المناخ من منطقة إلى أخرى على سطح الكرة الأرضية نتيجة لاختلاف كميات الإشعاع الشمسي الساقطة وحركة الرياح التي تعمل على نقل الهواء البارد أو الساخن من منطقة إلى أخرى، إلى جانب أسلوب توزيع البحار واليابسة وشكل الأرض وتضاريسها (3). وتوجد تصنيفات متعددة للمناطق المناخية في العالم ، ولكن بالنسبة لعمليات تصميم المباني فإنه يؤخذ بتصنيفات معينة تعتمد أساسا على اعتبارات الراحة الحرارية للإنسان ، التي يتم تعريفها على أنها الإحساس الفسيولوجي (الجسدي) والعقلي الكامل بالراحة (4)، وعلى هذا الأساس يتم تصنيف المناطق المناخية في العالم إلى أربع مناطق رئيسية (5): أ-المناخ البارد القطبي: حيث تتركز المشكلة الرئيسية في نقص الحرارة أو الشعور بالبرودة بسبب فقدان جسم الإنسان للحرارة ، وذلك في كل أو معظم أجزاء السنة. ب- المناخ المعتدل : حيث تتركز المشكلة في الشعور بالبرودة بسبب فقدان جسم الإنسان للحرارة خلال فترة معينة من السنة (فصل الشتاء)، والشعور بالحرارة بسبب الفقدان غير الكافي للحرارة الزائدة في خلال فترة أخرى من السنة (فصل الصيف ). ج - المناخ الحار الجاف : والمشكلة في هذا المناخ هي ارتفاع درجات الحرارة مع جفاف الهواء، مع ارتفاع كميات الإشعاع الشمسي، كما أن الفرق بين درجات الحرارة نهارا وليلا أو صيفا وشتاء كبير، وهو ما يطلق علية المدى الحراري الكبير. د- المناخ الحار الرطب : والمشكلة في هذا المناخ هي الزيادة في الحرارة التي يصاحبها ارتفاع في معدل الرطوبة النسبية. لقد عاش المسلمون في بيئات ومناطق مناخية مختلفة لكل منها خصائصها وظروفها ومشكلاتها ، والتي كانت تمثل تحديا لكل من المخطط والمعماري المسلم ، فبعض هذه البيئات تميز بالبرودة الشديدة خاصة في فصل الشتاء، كما في هضاب إيران وأفغانستان والأناضول بتركيا، والبعض الآخر تميز بالمناخ الحار سواء كان رطبا كما في مناطق الخليج العربي وإندونيسيا، أو جافا كما في مناطق الصحاري، مثلما في السعودية ومصر وأفريقيا. ونظرا إلى أن إقليم الصحاري الحارة الجافة يعتبر العمود الفقري للعالم الإسلامي (6)، إلى جانب أنه يشغل مساحة تفوق أيا من الأقاليم المناخية الأخرى بالعالم الإسلامي، فسوف يكون التركيز على استعراض المعالجات التخطيطية والمعمارية التي طبقها المسلمون في المدن والمباني التي أقاموها في المناطق الصحراوية الحارة. وبصفة عامة فإن استراتيجيات التصميم المناخي في المناطق الحارة تسعى إلى تحقيق هدفين أساسيين (7): 1- في فصل الشتاء يجب أن يراعى في تصميم المبنى الاستفادة القصوى من الاكتساب الحراري عن طريق الإشعاع الشمسي مع تقليل فقد الحرارة من المبنى. 2- في فصل الصيف يكون الاحتياج للتبريد فيراعى تصميم المبنى بأسلوب يعمل على تجنب الإشعاع الشمسي وعدم الاكتساب الحراري، مع العمل على فقد الحرارة من داخل المبنى وتبريد فراغاته بوسائل مختلفة . لقد نجح المسلمون في التصدي للمشكلات المناخية التي واجهتهم عند إقامة مدنهم ومبانيهم في المناطق الصحراوية ، وتمكنوا من خلال الاعتماد على الموارد والطاقات الطبيعية المتجددة والمتوافرة في البيئة ، كطاقة الشمس والرياح مثلا، من تحقيق عدة أهداف رئيسية أهمها(8): أ- الحماية من الإشعاع الشمسي عن طريق توفير الظلال بأساليب تخطيطية ومعمارية متعددة. ب- العمل على تحريك الهواء من خلال التخطيط التقليدي للمدينة ، الذي يعتمد على مظهرين أساسيين هما الشوارع الضيقة والأفنية المكشوفة (داخل المباني)(9). ج- تنظيم درجة الحرارة ليلا ونهارا وتم تحقيق هذا الهدف من خلال استعمال مواد بناء معينة. د- تحقيق التهوية الطبيعية باستخدام عناصر معمارية معينة كملاقف الهواء مثلا . و- تعديل نسبة الرطوبة في الجو بزيادتها في المناطق الجافة باستخدام عنصر الماء . ى- الاعتماد على الإضاءة الطبيعية في المباني من خلال استعمال بعض العناصر المعمارية ، مع معالجة ظاهرة الإبهار Glare من خلال استعمال المشربيات والفتحات الضيقة . وسنحاول فيما يلي التوضيح بصورة أكثر تفصيلا كيف تم تحقيق الأهداف السابقة وغيرها على المستوى التخطيطي للمدينة الإسلامية ، وعلى مستوى التصميم المعماري للمباني أيضا . ثانيا: المعالجات التخطيطية في المدينة الإسلامية: لقد ازدهرت بعض المدائن الإسلامية وأصبحت منائر إشعاع للحضارة الإسلامية ، فقد شيد عتبة بن غزوان في خلافة عمر بن الخطاب مدينة البصرة (14هجرية - 635م ) وأسس أبو الهياج الأسدي مدينة الكوفة (17هجرية - 638م )، كما بنى الحجاج الثقفي، في أيام الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ، مدينة واسط (83هجرية /702م )، كما أسس الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بغداد (المدينة المدورة ) (145هجرية - 762م )(10). فإذا انتقلنا إلى مصر وشمال أفريقيا نجد الفسطاط (21 هجرية / 641م ) أولى المدائن العربية الإسلامية في أفريقيا وقد أسسها عمرو بن العاص ، ثم شيد صالح بن علي العباسي مدينة العسكر شمال الفسطاط (133 هجرية / 850م )، كما أسس أحمد بن طولون القطائع (256هجرية / 870م)، ولا ننسى مدينة القيروان التي بناها عقبة بن نافع في تونس ( 50هجرية / 670م ) وكذلك مدينة المهدية التي بناها الفاطميون في تونس (303هجرية /915م )، ثم قاهرة المعز لدين الله التي أقامها جوهر الصقلي (358هجرية /969م ) لتكون أشهر العواصم الإسلامية على مر التاريخ(11). كما تم إنشاء العديد من المدن والحواضر الإسلامية في مناطق أخرى من العالم الإسلامي كمدينة الزهراء في الأندلس ، التي شرع الخليفة عبد الرحمن الناصر في بنائها عام 325هجرية (936م)(12)، وإذا انتقلنا إلى غرب العالم الإسلامي نجد أن الإمبراطور "أكبر" قد شيد مدينة "فاتح بور سيكري" بالقرب من مدينة "أجرا" الهندية عام 977 هجرية (1569م) (13). إن المدن الإسلامية ، خاصة في المناطق الحارة ، وحتى وقت غير بعيد، كانت تتشابه في خصائصها التخطيطية والحلول البيئية المتبعة في تصميمها، حيث كان تخطيط المدينة يجرى وفق مستويين (14): أحدهما التخطيط الواعي، وكان منصبا على التخطيط العام للمدينة ويشمل أسوارها وأبوابها وشوارعها الرئيسية التي كانت تتجه إلى قلب المدينة حيث المسجد الجامع ودار الإمارة ، أما المستوى الآخر، الذي يشمل الطرق الفرعية والمساكن المتكاثرة على مر الزمن فهو، وان كان يتم بطريقة تلقائية ، كان محكوما بعاملين أساسيين هما : العرف الحتمي، والتخطيط والعمارة معا في أبعاد الفراغ الثلاثة طبقا لظروف ما قد يستحدث من مبان . لقد تمت مراعاة عدة عوامل ومعالجات تخطيطية لمجابهة المشكلات البيئية والظروف المناخية التي تعرضت لها المدن الإسلامية ، وسيتم استعراض هذه المعالجات في النقاط التالية : 1- شروط اختيار مواقع المدن الإسلامية منذ أوائل العصر الإسلامي كان للعوامل البيئية والمناخية أثر كبير في اختيار مواقع المدن الإسلامية ، فعندما طلب قادة الجيوش من عمر بن الخطاب الإذن في إنشاء مراكز ومعسكرات لسكن الجنود أقرهم على ذلك واشترط أن يكون اختيار الموقع من قبل خبراء، وأن يكون على طرف البادية قريبا من الماء والمرعى، ولا تفصله عن المدينة المنورة موانع طبيعية كالأنهار والجبال (15)، وبموجب هذا التوجيه تم اختيار البصرة والكوفة ، اللتين كانتا هن أوليات المدن الإسلامية التي أنشئت في البلاد المفتوحة. كما أن اختيار موقع مدينة الفسطاط جاء موافقا لتوصية عمر بن الخطاب ، فقد تم اختيار موقعها في مكان لا يفصله عن المدينة المنورة ماء، سواء في شهور الصيف أو شهور الشتاء (16)، ويؤكد ذلك ما ذكره المقريزي في خططه (17): "أن عمر بن الخطاب كتب إلى سعد بن أبي وقاص وهو نازل بمدائن كسرى، وإلى عامله بالبصرة ، وإلى عمرو بن العاص وهو نازل بالإسكندرية ، ألا تجعلوا بيني وبينكم ماء، متى أردت أن أركب إليكم راحلتى حتى أقدم عليكم قدمت ، فتحول سعد من مدائن كسرى إلى الكوفة ، وتحول صاحب البصرة من المكان الذي كان فيه فنزل البصرة ، وتحول عمرو العاص من الإسكندرية إلى الفسطاط". كما اهتم المسلمون أيضا بالاعتبارات الصحية والمناخية عند اختيارهم لمواقع مدنهم الجديدة ، فعند إنشاء مدينة "واسط" طلب الحجاج من أصحاب العلم والدراية في قضايا الصحة والزراعة والري والتجارة اختيار موقع مناسب لها، وطلب منهم أن يكون المكان مرتفعا وعلى نهر جار عذب ، وأن يكون مناخ المنطقة جيدا وطعامها سائغ(18)، وسار على النهج نفسه المعتصم بالله حين أراد أن ينشئ مدينة "سامراء"، فموقعها المختار مرتفع عن مستوى سطح النهر، فهي غير معرضة للغرق وهواؤها عذب وأرضها واسعة تحيط بها أراض زراعيه واسعه (19). وعدت "جودة الهواء" من الميزات التي أشاد بها الجغرافيون في حديثهم عن الصفات الحسنة للمدن ، ومنهم من دلل على ذلك بأدلة عدة من المقاييس التي كانت تعتبر نافعة في معرفة طيب هواء الموقع أو فساده ، فقد ذكر القزويني مثلا في حديثه عن صنعاء مدللا على صحة هوائها أن : اللحم يبقى بها أسبوعا لا يفسد"، وذكر عن طليطلة أنه "من طيب تربتها ولطافة هوائها تبقى الغلات في مطاميرها سبعين سنة لا تتغير"، وعندما تحدث عن أصفهان ذكر: "أنه لطيب هوائها يبقى بها التفاح غضا سنة والحنطة لا تسوس واللحم لا يتغير"(20). ومن الروايات الطريفة في هذا المجال أن صلاح الدين الأيوبي عندما أراد بناء قلعته في القاهرة لجأ إلى طريقة علمية لا تخلو من الطرافة بغية اختيار أفضل مكان يصلح مناخه للإقامة ، فقد أمر بتعليق بهائم مذبوحة في أماكن عدة مناسبة وكلها تفي بغرضه العسكري، ولكن الموضع الذي تأخر فيه فساد اللحم عن سائر المواضع الأخري دل على أنه الجو الأنقي هواء وفيه أقيمت القلعة (21). وعن شروط اختيار المدن بصفة عامة يشير ابن الأزرق إلى أن ما تجب مراعاته في أوضاع المدن أصلان مهمان (22): دفع المضار وجلب المنافع ، ثم يذكر أن المضار نوعان : أرضية ، ودفعها بإدارة سياج الأسوار على المدينة ووضعها في مكان ممتنع ، إما على هضبة متوعرة من الجبل ، وإما باستدارة بحر أو نهر بها، حتى لا يتوصل إليها إلا بعد العبور على جسر أو قنطرة ؛ منالها على العدو ويتضاعف تحصينها والنوع الثاني من المضار سماوي، ودفعه باختيار المواضع طيبة الهواء ؛ لأن ما خبث منه بركوده أو تعفن بمجاورته مياها فاسدة أو منافع متعفنة أو مروجا خبيثة يسرع المرض فيه للحيوان الكائن فيه لا محالة ، كما هو مشاهد بكثرة". والجدير ذكره هو أن المسلمين الأوائل لم يحبذوا اختيار مواقع مدنهم في المناطق الساحلية لضرورات أمنية ، ولكن بعد أن أصبح لهم قوة بحرية يعتمد عليها في حماية مدن السواحل اتجهوا لاختيار المواقع الملائمة مدنهم الساحلية ، ولا أدل على ذلك من تلك المدن العديدة التي أقامها المسلمون على سواحل شمال أفريقيا والأندلس ومن أمثلتها البارزة : المهدية والمرية (23). ونظرا لوقوع معظم المدن والحواضر الإسلامية في مناطق صحراوية حارة ، فقد لجأ المسلمون إلى اتباع معالجات تخطيطية عدة بعد استيفاء شروط اختيار موقع المدينة ، كما أوضحنا سابقا، لمجابهة قسوة المناخ والظروف البيئية غير المواتية ، وهو ما سيتم توضيحه في النقاط التالية : 2- اتباع الحل المتضام للمبانى. يقصد باتباع الحل المتضام في تجميع المدينة (24) هو تقارب مباني المدينة بعضها من بعض بحيث تتكتل وتتراص في صفوف متلاصقة لمنع تعرض واجهاتها بلا داع للعوامل الجوية مثل أشعة الشمس المباشرة ورياح الخماسين المحملة بالرمال ، التي تؤدي إلى رفع درجة الحرارة داخل المباني (25)، كما أن الاختلاف في ارتفاع المباني المتجاورة يؤدي إلى تظليل أجزاء كبيرة من أسقف هذه المبانى وحمايتها من أشعة الشمس وما ينتج عنها من طاقة حرارية ضاغطة خلال ساعات النهار (26). إن أحياء المدينة الإسلامية لم تكن تفصلها بعضها عن بعض حواجز أو فواصل، وكانت البيوت في دمشق مثلا متلاصقة ، لا فسحة بين الدار والأخرى، حتى أنك لتحسب المدينة بناء واحدا ، وتماسك الأبنية الإسلامية وضيق شوارعها والاشتراك في الجدران يعود إلي عدة أسباب منها(27): ضيق الرقعة المبنية وانحصارها ضمن سور أو واحة ، وهناك سبب مهم آخر تحكم بتركيب المدينة الإسلامية يعود إلى طبيعة المناخ المغبر الحار، فأكثر البلاد الإسلامية تمتد من الصين حتى الأندلس مرورا بالشام وشمال أفريقيا بين خطى 10 و35 درجة شمال خط الاستواء في بيئة معظمها حار تحيط بها الصحاري. إن اتباع الحل المتضام أدى إلى اللجوء للشوارع الضيقة وتقليص مساحة الفراغات الخارجية المكشوفة في المدن الاسلامية ، فبمقارنة النسبة المئوية للفراغات والمساحات الكلية لبعض المدن وجد أن نسبة الفراغات الخارجية في المدينة الإسلامية حوالي 11% ، في حين أنها في المدينة الإغريقية 27%، وفي المدينة الرومانية 31%(28)، إن هذه المقارنة توضح ملاءمة نسبة الفراغات الخارجية بالمدن الإسلامية لطبيعة المناخ الحار، إلى جانب ملاءمتها من جانب آخر للمقياس الإنساني ووسائل النقل البسيطة في تلك العصور. ولتعويض قلة نسب الفراغات الخارجية بالمدن الإسلامية فقد اتبع أسلوب تفريغ كتلة مباني هذه المدن عن طريق الأحواش والأفنية الداخلية ، والتي كان يتم عن طريقها توفير التهوية والإضاءة الطبيعية لمباني المدينة، إلى جانب ما توفره من خصوصية على مستوى المباني السكنية. وإذا كان اتباع الحل المتضام في تخطيط مباني المدينة الإسلامية قد نجح كمعالجة مناخية فإنه يبدو، لأول وهلة ، حلا غير جيد من وجهة نظر مكافحة الضوضاء، خاصة أن الدراسات الحديثة للموجات الصوتية أوضحت أنها تتحرك من مصادرها في موجات كروية طويلة مستمرة وتقل سرعتها كلما زادت بعدا عن مصدرها، فكلما زادت المسافة إلى الضعف تقل الضوضاء بمقدار"5" ديسيبل (وحدة قياس الضوضاء)، وهذا يعني أن أفضل دفاع ضد الضوضاء هو زيادة المسافة بقدر الإمكان بين مصدر الضوضاء والمبنى المراد حمايته (29)، أي أن المبدأ الاساسي لتقليل الضوضاء يبدو كأنه لا يتفق مع أسلوب التخطيط المتضام الذي تم اتباعه في تخطيط المدن الإسلامية التقليدية ، حيث إن المسافة بين المباني والشارع ( مصدر الضوضاء) تكون صغيرة. ومع ذلك فقد جرى مراعاة بعض المبادئ التخطيطية التي ساهمت في تقليل انتشار الضوضاء في شوارع المدينة الإسلامية ، خاصة في المناطق السكنية ، ويأتي على رأس هذه الحلول التخطيطية عزل مناطق الإزعاج والضوضاء كالأسواق مثلا عن المناطق السكنية ، حيث كان لكل تجارة سوق أو شارع خاص به ، فقد كانت الصورة الغالبة لأسواق القاهرة القديمة ، على سبيل المثال ، هي الشوارع التجارية التخصصية التي سميت أسواقها بأسماء السلع والبضائع التي تحويها (30)، أي أن الفصل الوظيفي بين الشارع التجاري والشارع أو الحارة السكنية قد ساهم بشكل كبير في تقليل الضوضاء بالأحياء السكنية ، إلى جانب أن تميز الشوارع والحارات السكنية بالنهايات المقفولة (31) قد ساهم بشكل كبير مع عوامل تصميمية أخرى كزيادة سمك حوائط المباني والانفتاح على الأفنية الداخلية ، في التغلب على مشكلة الضوضاء أو الحد منها نتيجة لاتباع الحل المتضام كحل مناخي يعمل على توفير الظلال ويقلل من تعرض المباني للإشعاع الشمسي في المدينة الإسلامية. 3- ضيق الشوارع وتعرجها: إن اللجوء لاتباع الحل المتضام في النسيج العمراني للمدينة الإسلامية أدى بالتبعية لأن تكون شوارع المدينة ضيقة ، حيث يؤدي ذلك إلى تعرضها لأقل قدر ممكن من الإشعاع الشمسي المباشر، إلى جانب أن ضيق الشوارع كان يتناسب مع وسائل الانتقال في ذلك الوقت (الدواب والعربات التي تجرها الدواب ) والتي لم تكن تتطلب شوارع ذات عروض أكبر(32). فلقد أوضحت دراسة شوارع المدينة المنورة - قديما - تعدد أشكال شبكة الطرق ما بين شارع وحارة وزقاق ، كل منها كان له وظيفة وغرض خاصان ، فالشارع والطريق وصل عرضه إلى أربعة أمتار ويصل بين الأبواب الرئيسية ومركز المدينة (حيث المسجد النبوي)، أما الحارات فتراوح عرضها بين 2-3 أمتار واستعملت كحركة رئيسية داخل المناطق السكنية ، ووجد بها بعض الأنشطة التجارية الخفيفة ، أما الزقاق فتراوح عرضه بين 1.50 – 2.00م ولم توجد عليه أي أنشطة تجارية(33). وقد كان لارتفاع المباني على جانبي الشارع أثره الواضح في تحقيق نسبة ظل معقولة في هذه الشوارع ، فقد كانت نسبة ارتفاع المبانى إلى عرض الشارع بالمدينة المنورة 1 :2وأحيانا 1 :3 أو 1 :4 (34) ، وقد زاد من كمية الظلال تلك الرواشن والأجنحة التي كانت تبرز إلى عرض الشارع في الطوابق العليا من المباني. لقد كانت الشوارع في المدينة الإسلامية ، بشكل عام ، ضيقة جدا لدرجة يصعب معها على دابتين سلوك الطريق باتجاهين معاكسين ، وذلك في القاهرة في أوج عزها أيام الفاطميين (35)، غير أن هذا لا يعني أن بعض المدن الإسلامية لم يعرف شوارع عريضة ، فيروى أن الشارع الرئيسي في البصرة أيام خلافة عمر بن الخطاب جعل عرضه حوالي اثنين وثلاثين مترا والشوارع الفرعية اثني عشر مترا أما الطرق الداخلية فأربعة أمتار(36). وفي المناطق الحارة يتجه التفضيل في توجيه الشوارع من الشمال إلى الجنوب ؛ لأن ذلك يساعد على عدم تعرض الطرق وواجهات البيوت المطلة عليها فترة طويلة للشمس ، فمن المدن ما وجهت شوارعها الرئيسية الكبيرة من الشمال إلى الجنوب حتي تكون عمودية مع حركة الشمس الظاهرية ، وهذا ما يجعل الشوارع تكتسب ظلالا طوال النهار، بالإضافة إلى اكتسابها الرياح الشمالية التي تساعد على استمرار برودتها أطول فترة ممكنة لوجود نسبة التظليل العالية في هذه الشوارع ، وقد تجلت هذه الظاهرة في أروع أمثلتها في القاهرة ، وسارت على هذا المدن صعيد مصر وكذلك مدن المناطق الحارة من العالم الإسلامي، ولعل اتجاهات شوارع مدينة الدرعية الباقية تؤكد هذه الحقيقة ؛ فمعظمها ولاسيما الشوارع الرئيسية يتجه نحو الشمال (37). كما تميزت شوارع المدينة الإسلامية بتعرجها، فقد كانت كل الأزقة كثيرة التعرج حتى أنك تحسب عند كل منعطف أنك وصلت إلى طريق مسدود، ولكن الأسواق المسقوفة (المظللة) غالبا ما كانت مستقيمة ، ذلك أن السقف يؤمّن الظل ويخفف من وصول الغبار (38). وقد تميزت الشوارع الضيقة المتعرجة بانفتاحها على مجازات (بعض الأماكن الواسعة قليلا) ذات نهايات منغلقة تقوم بالوظيفة نفسها التي تقوم بها الأفنية ، فهي تعمل على تخزين الهواء المعتدل البرودة في الليل ، وتمنع تسربه مع أول هبوب للريح) ، وهذا ما قد يحدث في حاله التخطيط الشبكي للشوارع العريضة (كما في المدن الحديثة )، حيث يؤدي إلى سهولة فقدها للهواء البارد المتجمع بها أثناء الليل أول هبوب للريح نهارا (40). لقد تميز تخطيط النسيج الحضري للمدينة الإسلامية بمظهرين أساسيين هما : الشوارع الضيقة والأفنية الداخلية المكشوفة ، والمظهران السابقان يعملان على توفير الظلال والحماية من الأشعة الشمسية (41) ، ومن جانب آخر فإن اختلاف الضغط الناشئ نتيجة ضيق الشوارع مقارنة بالأفنية الداخلية يسمح بانتقال الهواء من خلال فتحات ومداخل المباني من الشوارع الضيقة الأكثر تظليلا (ضغط عال ) إلى الأفنية الداخلية المشمسة (ضغط منخفض)، خاصة أثناء فترات الظهيرة وتعرضها لأشعة الشمس . فلقد أوضحت القياسات (42) التي أجريت داخل فناء بيت السحيمي بالقاهرة الإسلامية أنه في فترة الصباح تكون حركة الهواء الغالبة آتية من مدخل المنزل الجنوبي بالدور الأرضي، والذي يفتح على حارة الدرب الأصفر، وينتقل هذا الهواء عبر المدخل إلى الفناء الداخلي ومنه إلى التختبوش ثم الحديقة الخلفية بالجهة البحرية ، وحركة الهواء هذه تنشأ بفعل التباين في درجات الحرارة وتصل سرعة الرياح إلى أقصاها في التختبوش حيث تبلغ 1.3 م /ث ، بمتوسط سرعة 0.70م /ث خلال ساعات النهار. وفي قياسات أخرى (43) تمت في بيت السناري بحي السيدة زينب بالقاهرة ، اتضح أن سرعة الرياح بفعل فارق ضغط الهواء والحرارة تتضاعف عبر ممر المدخل الضيق الطويل ، والذي يفتح على حارة "مونج" بالجهة البحرية ويؤدي إلى الفناء الداخلي من الجهة الجنوبية ، ليصل متوسط سرعة الرياح به لحوالي 120% عند بدايته ولتصل إلى 40% عند نهايته قرب الفناء، وذلك كنسبة من سرعة الرياح الحرة صباحا. ولم تقتصر فوائد الشوارع الضيقة والمتعرجة على المعالجة المناخية للجو الحار فقط ، بل كانت تقوم بأداء وظيفة بيئية مهمة أخرى، فعدم جعل شوارع وممرات المدينة مستقيمة جنبها أن تتحول إلى أنفاق للرياح الشتوية الباردة أو لرياح الخماسين الساخنة والمحملة بالأتربة والرمال ، ومع أن ضيق هذه الشوارع يمنع حدوث ذلك ، فإن التكسيرات والانحناءات تؤكد هذا المنع ، كما تتيح وجود مناطق مظللة في مختلف أجزاء الشارع في معظم ساعات النهار بصرف النظر عن توجيه هذا الشارع(43). وقد يرجع أيضا نظام الشوارع المتعرجة ، الذي انتشر في المدينة الإسلامية ، إلى إعطاء الفرصة للتأمل الهادئ وكسر الملل ، وهو ما يوضح أن بعض المعالجات البيئية في المدينة الإسلامية قد نجحت - فيما يبدو - في أن تقوم بأداء أكثر من وظيفة ناجحة في وقت واحد. 4- تسقيف الشوارع وبروز الواجهات تم اتباع بعض الحلول والمعالجات لتوفير المزيد من الظلال بشوارع المدينة الإسلامية ، ومن أهم هذه الحلول التي لجأت ، إليها العمارة الإسلامية هي تسقيف بعض الشوارع التجارية أو استخدام "الساباطات" ، أو عمل بروزات بالواجهات المطلة على الشوارع . ارتبطت ظاهرة تسقيف الشوارع ، التي تضم الأسواق علي جانبيها ، بحماية نوعية معينة من السلع كالحرير وغيره من الأقمشة ، وانتشرت هذه الظاهرة في كثير من المدن الإسلامية وعرفت "بالسقائف " ، كسقيفة رضوان في القاهرة (سوق الخيامية )، واختلفت أساليب تغطية الشوارع التجارية باختلاف المناخ ومواد البناء المتوافرة ، فبينما كانت السقف مسطحة في القاهرة وجدت على هيئة أقبية من الآجر وعرشات العنب والخشب في الأندلس ، واستخدمت الأقبية الحجرية في مدن أخرى كعلب وغيرها ، وكان التسقيف للحماية من العوامل الجوية كالمطر والشمس ، حتى أن هناك من الشوارع التجارية ما غطي بأكمله في مكة المكرمة لاشتداد الحرارة ، واستخدم القماش أحيانا في تغطية بعض الأسواق في شوارع القاهرة ، كسوق القفصيات ، الذي كان سقفه عبارة عن خيمة من القماش ، كما أن حوانيت الفاكهة عند "دار التفاح بالقاهرة " غطيت الشوارع فيها بسقف من القماش حتي لا تتأذى الفاكهة من الشمس ، وفي مدن الصعيد ساد هذا الأسلوب في قيساريات المدن المختلفة التي مازالت محتفظة بشكلها العام(45). ومن العناصر الأخرى التي استخدمت وانتشرت في المدينة الإسلامية "الساباطات" ومفردها "ساباط" ، وهو عبارة عن ممر مستقوف يربط بين دارين أو جدارين (46)، فقد كان بين قصر قرطبة ومسجدها ساباط ، وآخر بين قصر الزهراء ومسجدها، وفي مدينة طرابلس حي سمي "تحت السيباط"(47). وقد استخدمت فكرة المعابر العلوية (الساباطات ) في العمارة الإسلامية التقليدية وخاصة في المناطق الصحراوية التي تتعرض لأشعة الشمس الحارقة ، حيث تكون هذه المعابر على هيئة جسور معلقة تعلو فراغ الفناء، حيث تربط جناحي المسكن (الحرملك والسلاملك )، كما هي الحال في المعبر العلوي المستخدم في مسكن الحاج عبد الله أحمد بواحة القصر، وقد تعلو فراغ الحارة حيث تربط المساكن المتقابلة ، وذلك حينما توجد صلة قربي شديدة بين ساكني هذه المنازل (48)، ومن أمثله هذه الساباطات ما هو موجود بشوارع قرية " شالي" بواحة سيوة بمصر(49). وبالإضافة إلى أن هذه المعابر تساعد على توفير الخصوصية فإنها تعد بمنزلة معالجة مناخية ممتازة حيث تحمي السكان من التعرض المباشر لأشعة الشمس عند الانتقال بين أجزاء المسكن الواحد أو المساكن المختلفة ، بالإضافة إلى ما تلقيه من ظلال على الأفنية أو الشوارع وواجهات المنازل التي تربط بينها، كما تعتبر هذه المعابر عنصرا مهما لتحريك الرياح ، وهو ما أوضحته إحدى الدراسات الحديثة. فقد تم إجراء قياسات لسرعة الرياح تحت الساباط الذي يربط بين الدارين المكونتين لما يعرف "بدار الكريدلية" ، بهضبة "يشكر" بالقاهرة ، واتضح أن الممر المسقوف (الساباط )، الواصل بين المنزلين ، يعتبر عنصرا من عناصر ، تحريك الرياح السائدة بفعل قوة ضغط الرياح (الرياح الشمالية الشرقية بمتوسط 0.80م /ث ) وفي لحظات سكون الرياح السائدة تنشط تيارات غربية عكسية بالاتجاه المقابل تفوقها في السرعة (2.50م /ث )، وذلك لانفتاح الممر: تحت الساباط على الفناء الخارجي لجامع ابن طولون بالجهة الغربية(50). إن تظليل الشوارع يساهم في خفض درجة حرارة الهواء المحيط بحوالى 4 درجات مئوية(51) ، لهذا كان الحرص على توفير الظلال في شوارع ودروب المدن الإسلامية ، إما بتسقيفها وإما بتغطية أجزاء منها عن طريق المعابر العلوية ، أما في حالة الشوارع غير المسقوفة فقد لجأ المعماري المسلم ، بالإضافة إلى ضيق الشوارع وتعرجها ، إلى وسيلة معمارية أخرى حتى يتم إلقاء المزيد من الظلال على أرضيات الشوارع وواجهات المبنى أيضا، فابتكر فكرة عمل بروزات بواجهات المباني المطلة عليها عن طريق البروزات المتراكبة (52)، حيث يشغل الطابق السفلي قطعة الأرض بكامل مسطحها، بينما تبرز واجهات الدور الأول عن واجهات الدور الأرضي على هيئة بروزات كابولية ، ثم تبرز واجهات الطابق الثاني عن واجهات الطابق الأول وهكذا ، وبذلك تقوم هذه البروزات المتراكبة بإلقاء الظلال على واجهة المبنى نفسه وعلى أرضية الشارع التي تطل عليه ، كما أنه في حالة وجود بعض العناصر المعمارية البارزة كالمشربيات مثلا فسيتم إلقاء المزيد من الظلال. إن البروزات المتراكبة بالمباني على جانبي الشارع لها وظيفة أخرى غير التي ذكرناها، فالناظر إلى القطاع العرضي للشارع يجد أن البروزات الخارجية للمباني على جانبي الشارع تزداد تدريجيا من الأدوار السفلية إلى الأدوار العليا وهذا يزيد من عرض القطاع عند مستوى الطريق عن العرض العلوي للقطاع مما يساعد على حركة الهواء وتجدده من أسفل إلى أعلى (53). وإذا كان هذا التشكيل المميز لخط القطاع الخارجي يظهر في العمارة الإسلامية في مصر، إلا أنه لا يظهر في مناطق أخرى كإيران أو المنطقة الوسطى بالسعودية أو في عمارة اليمن (54)، ويرجع ذلك لاختلاف الظروف المناخية في هذه المناطق عن مصر، وهو ما يؤكد أن اختلاف النمط التشكيلي أو المعالجات البيئية في بعض مناطق العالم الإسلامي يرجع لاختلاف التفاعلات البيئية والاجتماعية من منطقة لأخرى. 5- مراعاة الجوانب الصحية: لم تقتصر المعالجات البيئية بالمدن الإسلامية على النواحي المناخية بل تعدتها أيضا إلى النواحي الصحية ، ويتمثل ذلك في تغذية المدن بالماء النظيف والعناية بشبكات الصرف الصحي، إلى جانب الحرص على النظافة العامة للمدينة ، وهي كلها عناصر تتصل بالجوانب الصحية وتزداد أهميتها في المناطق ذات المناخ الحار. كانت تغذية المدن بالمياه النظيفة في مقدمة المرافق التي عني بها التخطيط العمراني للمدينة الإسلامية ، واستكمالا لعناية التخطيط العمراني بالمدينة الإسلامية ، عنيت السلطات المختصة بتسهيل وصول الماء إلى تكويناتها المعمارية المختلفة ، وارتبط ذلك بنظام تخطيط الشوارع والطرق ، وتشير المصادر التراثية والأثار الباقية إشارات واضحة إلى نماذج رائعة لشبكات المياه التي كانت تغذي تكوينات المدن الإسلامية (55). ومن أمثلة اهتمام المسلمين بتزويد المدن بالماء الصالح للشرب منذ العهود الأولى ما قام به أبو موسى الأشعري في حل مشكلة تزويد مدينة البصرة بالماء الصالح للشرب ، ولاسيما أن المياه التي تصل إليها كانت مالحة ، فبدأ مشروع حفر نهر"الابلة" الذي تم في عهد عبد الله بن عامر (25- 36 هجرية /646- 657م )، هو وغيره من مجموعة الأنهار التي زودت المدينة بالماء اللازم ووصلتها تجاريا بالأقاليم المجاورة ، فدفع ذلك نموها وازدهارها(56). أما على مستوى المباني فقد أنشئت للمجموعات المعمارية الكبيرة شبكات تغذي وحداتها المختلفة بالماء من مصادر مختلفة ، ويكفي أن نشير إلى مجموعة السلطان قلاوون في القاهرة ، التي حفرت لها بئر خاصة وأنشئت لها ساقية ترفع الماء إلى "مصنع " كبير مرتفع يغذي المدرسة ووحداتها المختلفة والبيمارستان ووحداته (57). كذلك كانت شبكات الصرف في المباني محل عناية كوسيلة للتخلص من فضلات قاطنيها، وارتباط ذلك بكثافة السكان وأهمية المحافظة على صحتهم وسلامتهم ونظافة المدينة واستمرارية الحياة بمستوى حضري راق ، وتشير المصادر إلى وجود شبكات صرف في بعض المدن الإسلامية بلغت أعلى المستويات (58). وفي المنازل حفرت آبار الماء بعيدة عن آبار الصرف حتى لا تتأثر بها، ولاسيما أن من المنازل ما اشتمل على بئر للصرف وأخرى لتزويد المنزل بالماء، في مدينة الفسطاط ، وقد اعتبر ذلك أيضا في أن تكون المواجل في المدن ، التي اعتمدت على الأمطار، بعيدة عن آبار الصرف وقنواته مراعاة للنواحي الصحية (59). ونظرا إلى أن تعاليم الإسلام تدعو إلى النظافة فقد كانت الشوارع تكنس وترش بالماء صيفا، وما يؤكد ذلك ما تضمنته وثيقة وقف منشأة جمال الدين الاستادار بالجمالية بالقاهرة ، ما يشير إلى أنه رتب شخصا من السقاءين بالقرب الكتافيّة على الآبار - جيدا قويا على العمل كافيا فيه - ليكنس التراب حول الخانقاه المذكورة وأزقتها الدائرة عليها من الجهات الأربع ، ويرش ذلك بالماء مرتين في الصيف ، وإن احتيج إلى ذلك في الشتاء فعله مرة أو مرتين ، ويشيل ما يتحصل من الكناسة إلى الأماكن البعيدة ، والتنظيف على العادة (60). وبما أن المياه كانت تصل إلى أكثر طبقات الدور في المدن كطرابلس والقاهرة ، إلا أن الناس كانوا يمنعون من إقامة ميازيب تصب مياهها من السطوح مباشرة على الشوارع ، وكان عليهم حفر مسيل في الحائط يكلس تجري فيه المياه لتصب في قناة الطريق ، وتسد مصارف المياه القذرة أثناء الصيف ، وتحفر في البيوت أجباب تتجمع فيها وينظفها عمال مختصون (61). ومن الأساليب التي استخدمت للتخلص من القمامة بالمدن الإسلامية أن تسخين الماء في الحمامات العامة كان يتم بوقد الزبل والحطب (62)، وكانا يخزنان في مستودعات ملحقة بالحمام. ثالثاً: عناصر المعالجات المناخية في المباني: شكلت المباني بمختلف أنواعها والطرق نسيج المدينة الإسلامية القديمة ، فالمسكن والمسجد والسوق والطريق وباقي عمائر المدينة تعتبر العناصر الأساسية في النسيج العمراني الإسلامي (63). وبتكامل الحلول والمعالجات البيئية ، التي ظهرت في تخطيط وتصميم مباني المدينة ، تمكن المسلمون من مواجهة الظروف المناخية القاسية ، ومن تهيئة بيئة صالحة للمعيشة في المدن والمباني التي أقاموها . ويتفق علماء الآثار على شمول العمارة الإسلامية على العمارة الدينية والعمارة المدنية والعمارة الحربية (64)، وهذه التقسيمات تكاد تنطبق أيضا على كل الإنتاج المعماري في مختلف الطرز المعمارية الأخرى. ولقد تعددت العمائر والمباني الدينية لتشمل الجوامع والمساجد والمدارس والخانقاوات والأربطة والتكايا والمشاهد والأضرحة والأسبلة والكتاتيب (65) أما العمائر المدنية فقد تنوعت أنماطها وتباينت عناصرها ، وقد شملت القصور والمنازل والوكالات والخانات والبيمارستانات والأسواق والقياصر والحمامات (66) ، وغيرها مما يخدم أهداف الحياة المدنية المستقرة وبالنسبة للعمارة الحربية فقد استخدم المسلمون العديد من المباني والوسائل الدفاعية لتحصين مدنهم والدفاع عنها، وقد تمثلت في القلاع الحربية والأربطة وأسوار المدن وغيرها من العناصر الدفاعية الأخرى (67). ولقد حرص المصمم المسلم على تهيئة الراحة الحرارية داخل مباني المدينة الإسلامية من خلال استخدام بعض العناصر والحلول المعمارية ، ولأهمية هذه العناصر فسيتم توضيح العديد من الجوانب التي تتعلق بأسلوب أدائها لوظيفتها ، ومن أهم هذه العناصر والمعالجات ما يلي: 1- نوعية مواد البناء المستخدمة: إن المواد المحيطة بساكني المبنى مهمة جدا لتوفير الوقاية من الحر والبرد، ويجب بذل عناية كبيرة في اختيار مواد الجدران والسقوف وسمكها بحيث يتناسب ذلك مع خواصها الفيزيائية بالنسبة للتوصيل الحراري والمقاومة الحرارية والإنفاذ الحراري وعاكسية الضوء (68)، ولمواد البناء المستخدمة في بناء الحوائط الخارجية أهمية كبرى حيث إنها المسؤولة في تحديد المدة الزمنية لانتقال الحرارة من الجو الخارجي لداخل المبنى. ولقد حرص المسلمون على اختيار مواد البناء المتوافرة في البيئة والملائمة في الوقت نفسه للمناخ الحار، خاصة ما كان منها ذا كفاءة عالية في العزل الحراري، وفيما يلي عرض لأهم مواد وأساليب البناء التي اتبعها المسلمون في إقامة مبانيهم : أ- الطوب اللبن : يوجد على الأقل عشرون طريقة مختلفة معروفة في مجال البناء بالطين ، ولكن من بين هذه الطرق تسود طريقتان أساسيتان (69): الأولى هي طريقة (الطوب Adobe) وهي كلمة عربية وبربرية جاء بها الإسبان إلى الأمريكتين ، حيث أدخلت في اللغة الإنجليزية ، وطبقت على الطوب الطيني الذي يشكل في قوالب ويجفف في الشمس ، ومن ثم يستعمل في بناء الأسوار والقناطر والقباب. والطريقة الثانية هي (بيسيه دي تير Pise de terre)، وهو اسم لاتيني الأصل استعمل لأول مرة في ليون (بفرنسا) عام 1562 ، ويطبق على أسلوب تشييد الجدران بسماكة لا تقل عن 50سم عن طريق كبس أو دك الطين بين هياكل خشبية متوازية ، وفي كلتا الطريقتين السابقتين يتم اختيار الطين بعناية ويخلط مع الماء والألياف النباتية (تبن أو قش مقطع عادة ) لتكوين خليط متماسك . ويقتصر استعمال الطين على المناطق الجافة التي يندر أن تتعرض لسقوط أمطار غزيرة (70)، لذلك فإنه خلال القرون الماضية تم الوصول إلى حلول "إيجابية تحمي مباني الطين من تأثيرات المياه السلبية ، وتعتمد هذه الحلول على وجود سقف لحماية الجدران من المطر، وأساسات تحمي أسفل الجدران من المياه الجارية والرطوبة ، بالإضافة إلى استعمال الطلاء المصنوع من القار لوقاية المنشآت الطينية(71). ويعتبر الطوب اللبن أفضل مادة بناء طبيعية يمكنها توفير العزل الحراري للمبنى، لذلك استعملت على نطاق واسع في حضارات ما بين النهرين ومصر، وفي وقت لاحق استعملها الرومان وشعوب الشرق الأوسط ، ويعد المسجد النبوي من أوائل المباني الإسلامية التي استعمل في بناء حوائطه الطوب اللبن ، ثم استعمل في العديد من المساجد والمباني الإسلامية في العالم الإسلامي على مر العصور (72). ب - الآجر: يعد الآجر من أهم مواد البناء التي استخدمت في العمارة الإسلامية وخاصة في مصر والعراق وايران وبلاد المغرب العربي، حيث يندر وجود الخشب والحجر، ويعرف في العراق باسم "الطابوق"، وفي مصر باسم "الطوب الأحمر" (73)، وهو يستخدم في بناء الحوائط الحاملة ، أو كأكتاف ، أو في بناء القباب والأقبية ، وفي حالة بنائه بسمك كبير فإنه يساعد على توفير عزل حراري جيد للفراغات الداخلية بالمباني. وقد تميزت العمارة الإسلامية بمدينتي "فوة" و "رشيد" بمصر باستخدام كل من الطوب اللبن والآجر، حيث إن بيئة نهر النيل الفيضية قد أتاحت تصنيع النوعين السابقين من الطوب ، وقد تم استعمال ثلاثة أنواع من الطوب في عمارة " فوة" (74). 1- الطوب الأحمر البلدي من طمي النيل والأراضي الزراعية ،فبعد تخميره يشكل بواسطة قالب يدويا على الأرض ، ثم يترك ليجف ، ثم يحرق في قمائن أو أفران فيتحول إلى مادة صلبة تقاوم تأثير الماء. 2- طوب أحمر ضرب سفرة ، وهو الطوب العادي نفسه ، إلا أنه هنا يشكل أو يضرب على لوح من الخشب ثم يجفف ويحرق. 3- النوع الثالث يرجع ابتكاره لظروف البيئة ، والتي كانت معطياتها مادة واحدة غير متنوعة ، وهي الطين الذي يصنع منه الآجر المحروق ، حيث يتم حرق الطوب في القمائن لدرجة السواد ليكون مع لون الطوب الطبيعي - وهو اللون الأحمر عند البناء - شكلا زخرفيا وذلك توفيراً للنفقات ، وقد استخدم تناوب اللونين في واجهات مسجد نصر الله ومسجد النميري وغيرهما (75). وتوجد أمثلة عديدة لعمائر إسلامية في بيئات مصرية مختلفة كالأشمونين ونقادة وسوهاج ، بالإضافة إلى فوة ورشيد، كانت تتميز مبانيها بطابع شعبي محلي نابع من استخدام الطوب الملون في زخرفة الواجهات مع الخشب كمواد محلية وبيئية سواء في المساجد أو المنازل (76). ج - الحجر: يعد الحجر من أهم مواد البناء التي استخدمت في العمارة على مر العصور، كما تم استخدامه في تشييد مختلف أنواع العمائر الإسلامية ، وهو يستخدم في العادة بسمك كبير، مما يوفر عزلا حراريا جيدا للفراغات الداخلية للمبنى، كما هي الحال بالنسبة للآجر (77). وفي معظم البيوت الإسلامية المقامة بالمدن فإن الحوائط الخارجية للطابق الأرضي عادة ما تبنى بالحجر الجيري بسمك 50 سم وأكثر، وبسبب اللون الفاتح للحجارة فإنها تعكس جزءا كبيرا من الإشعاع الشمسي الساقط عليها، والحجر الجيري مادة ذات سعة حرارية عالية ، حيث إن كثافته كبيرة ( 1920 كجم /م 3) مما يجعل زمن النفاذ الحراري من خلاله يصل إلى 15ساعة (78)، وهذا يعني أن الحرارة الخارجية سوف تأخذ وقتا طويلا لتصل لفراغات المبنى الداخلية نظرا لطبيعة وسمك الحجر المستخدم في بناء حوائطه ، لذلك فإن ارتفاع درجة حرارة الهواء نتيجة إشعاع الحوائط الخارجية للحرارة المخزونة بها ليلا لن يسبب إزعاجا، حيث إن الأدوار الأرضية في البيت الإسلامي كانت تستخدم غالبا في النوم ، وعلى ذلك فإن الفراغات الداخلية تحتفظ بهوائها البارد معظم ساعات النهار أثناء ارتفاع درجة حرارة الهواء في الخارج. أما الجزء العلوي من الحوائط الخارجية ، وهو يمثل الأدوار التي تعلو الدور الأرضي، فعادة ما كان يبنى بالطوب المنهي بالبياض ، ويكون أقل سمكا من حوائط الدور الأرضي الحجرية ، وعلى ذلك فإن انتقال الحرارة للداخل سيكون أسرع ، وهذا يعني أن الفراغات الداخلية تصبح دافئة مساء ولكن يتم التغلب على ذلك عن طريق تهويتها بالهواء البارد أثناء الليل (79). وقد انتشر استخدام الحجر في حوائط الدور الأرضي والطوب في الأدوار العلوية في أماكن عديدة من العالم الإسلامي، ومن الأمثلة الأولى لذلك قصر الحير الشرقي في سوريا، وهو أسلوب استمد من البيزنطيين (80)، كما أن هذا الأسلوب اتبع في بناء العديد من المآذن كما في مئذنة المسجد الكبير بحران Haran ، والذي بني ما بين 744 –750 هجرية (81). إن استعمال مادة الحجر في البناء بدأ في أوائل العصور الإسلامية الأولى من خلال مباني العصر الأموي، مثلما نرى في مسجد "حماة" وفي جزء من المسجد الكبير بقرطبة ، وقد أصبح فيما بعد البناء بالحجر إحدى مميزات عمائر العصر المملوكي والعثماني أيضا (82). د- الخشب : تعتبر مادة الخشب من المواد النادرة في معظم أراضي العالم الإسلامي، وهو ما أدى إلى التميز الخاص في الأعمال الخشبية في المباني الإسلامية (83). وحرصا على استغلال هذه المادة لأقصى حد، فقد استخدم الخشب في عمل السقف الأفقية المستوية، كما استخدم في إنشاء بعض القباب ومن أهمها قبة الصخرة في بيت المقدس ، حيث أنشئت من طبقتين من الأخشاب : الطبقة الخارجية منها مغطاة بشرائح معدنية لعكس الإشعاع الشمسي ولحماية القبة الداخلية ذات النقوش والألوان من التأثر بهذا الإشعاع ، وللسماح بالتهوية من خلال الفراغ الهوائي بين السقفين(84). كما تم استعمال السقف الخشبي المزدوج ووضعت بين الطبقتين أوان فخارية في قصر الأمير بشتاك بالقاهرة (1334 م )، وقد تم استعمال الفخار لما له من خاصية المسامية وتخفيف الحمل الحراري والإنشائي على المبني والفراغات أسفله(85) وعلى الرغم من تميز الخشب بأنه عازل جيد للحرارة وخاصة استخدامه في الأسقف بالمناطق الحارة ، إلا أن ندرته في البلاد الإسلامية الحارة حالت دون استخدامه بكثرة في معظم البلاد الإسلامية مثل الجزيرة العربية ومصر، فتم استخدام جذوع النخيل كأعمدة عند بناء المسجد النبوي كما استخدمت ككمرات في سقوف المساكن والمساجد بعد شقها طوليا إلى شريحتين كما هي الحال في بيوت مدينة الفسطاط ، كما استخدم جريد النخيل في تغطية سقوف بعض المباني (86). وقد استعمل الخشب كمادة مساعدة في بناء الحوائط ، فعلى سبيل المثال تمتاز مساجد "فوة" بمصر بوضع كتل خشبية بسمك الجدار تسير بشكل حزام بالجدران الأربعة للمسجد وذلك على مستويين (87): الأول الأعتاب السفلية (الجلسات ) لشبابيك المستوى الأول بالجدار، أما المستوى الثاني فيمثل الأعتاب العليا لفتحات هذه الشبابيك ومداخل المسجد، ولهذه الطريقة عدة مميزات منها (88): 1- أن تنوع مواد البناء يزيد من تماسك الجدار. 2- أن هذه الأحزمة الخشبية تستعمل كعتب للفتحات سواء النوافذ أو الأبواب . 3- أنه إذا حدث تصدع بجزء من الجدران لا يؤثر ذلك على باقي الجدران أو السقف . وإذا كان معظم الأبواب والنوافذ في المباني الإسلامية قد صنعت من الخشب ، فإن الخشب يعتبر من أنجح المواد وأكثرها شيوعا في صناعة المشربيات (و الرواشن ) ويرجع ذلك لعدة أسباب أهمها(89): 1- مميزات الخشب التي تناسب المناخ الحار من حيث امتصاصه الحرارة بنسبة كبيرة إلي جانب قابليته لامتصاص أو فقد ما به من رطوبة لمساميته 2- سهولة تشغيله وتشكيله سواء بالخرط أو الحفر إلى جانب ما يتمتع به من قوة وخفة وزن . 3- خواصه الفنية والتشكيلية الرائعة من حيث ألوانه وملمسه وتجزيعاته مما يشيع الكثير من النواحي الجمالية(90). و- الجبس والجير، يوجد الجبس في مناطق عديدة من الشرق الأوسط وإيران ، ويتم حرقه في درجة حرارة أقل بكثير من الجير وهو عامل تظهر أهميته في المناطق قليلة الأخشاب أو أن المواد التي تستخدم في عملية الحرق تكون غالية الثمن (91). ويعتبر استخدام مادة الجبس (الجص ) من المعالجات البيئية المهمة في بعض مناطق العالم الإسلامي والتي يتميز مناخها بالرطوبة العالية ، فالجص مادة رخوة هشة قابلة لامتصاص رطوبة الهواء ويتكون من كبريتات الكالسيوم (كبريتات الجير) محتوية على الماء ومتحدة به اتحادا تاما (92). لذلك فقد انتشر استخدام الجص الأبيض في طلاء حوائط المباني بمنطقة الخليج العربي حيث درجات الحرارة والرطوبة عالية ، فاللون الأبيض يعكس أشعة الشمس مما يخفف الأحمال الحرارية على المبنى، ومن جانب آخر فإن للجص حساسية شديدة للرطوبة وقدرة كبيرة على امتصاص كميات كبيرة منها، فعند تعرض الجبس للحرارة في الجو الجاف فإنه يفقد الرطوبة المخزونة والناتج عن تلك العملية هو الانخفاض في درجة حرارة سطح الجبس وبالتالي الهواء الملامس له ، ففي مدن الخليج القريبة من البحر ترتفع الرطوبة جدا في فصل الصيف (نتيجة التبخر) فتنشط مادة الجبس أكثر في امتصاص الرطوبة من الجو ليلا، أما في النهار ومع ارتفاع درجة الحرارة فيبدأ الجبس في طرد الرطوبة المخزونة فيه ، فينشأ عن ذلك انخفاض في درجة حرارة المكان (93). ومن فوائد تغطية الحوائط الطينية بالجص أو الجبس أنها تعمل كطبقة عازلة بينها وبين المطر كما تعمل على تقوية الجدران وعزلها مما يقلل من عوامل التفسخ والانهيار (94)، كما اشتهر في مدن الخليج عمل المشربيات بالجبس المزخرف بدلا من الخشب مع المحافظة على الشكل الأصلي للمشربيه (95) ، وقد ادى استخدام الوحدات الزخرفيه باشكال هندسيه ونباتية معينة إلى خلق نوع من الزخرفة المميزة سميت بالزخرفة الخليجية (96). إن مواد البناء التي استخدمت في المباني والعمائر الإسلامية كان لها أثر كبير في معالجة الظروف المناخية والبيئية خاصة في المناطق الحارة من العالم الإسلامي، وقد حددت هذه المواد بشكل كبير أسلوب وطريقة إنشاء المبنى أو أسلوب في زخرفته وتزيينه . 2- الفناء الداخلي: يتم تعريف الفناء Courtyard في قاموس أكسفورد على أنه (97): " مساحة مفتوحة محاطة بحوائط أو مباني.."، أما الباثيو (98): فيعرف على أنه فناء داخلي في المنازل الأسبانية أو الأسبانية - الأمريكية ويكون مفتوحا للسماء , وهي كلمة أسبانية الأصل وانتقلت للغة الإنجليزية عام 1827م ، وهذا المصطلح يستعمل بالتبادل مع كلمة الفناء، أما لفظ الفناء Fina فيستعمل عادة في اللغه العربيه لأي مساحه مفتوحة بالمسكن (99). ويعرف الفناء الداخلي على أنه (100) : " حوش داخلي أو منور يترك في وسط مسطح المبنى لإضاءة وتهوية وحدات المبنى الداخلية ، وقد يكون المنور محاطا بوحدات المبنى من أربعة جوانب (منور مغلق )، أو من ثلاثة جوانب أو جانبين (منور مفتوح ) ". أما غالب فيعرف الفناء - وجمعه أفنية وفُنى _ بأنه (101 ): " باحة - ساحة - صحن - ما اتسع أمام الدار" , أما الصحن (102) - وجمعه صحون - فيأتي بمعنى الفناء أيضا ، وصحن الدار: وسطها ، وهو عبارة عن مساحة مكشوفة مسورة . وتجدر الإشارة إلى أن الفناء الداخلي كأحد أهم الحلول المناخية قد تم استعماله في أغلب الحضارات المعمارية السابقة ، ففي العمارة المصرية الفرعونية ظهر الحوش في مساكن العامة وكذلك في قصور الفراعنة آخذا مسمى آخر هو ساحة القصر، وفي الحضارة الإغريقية ظهر المسكن ذو الأحواش بشكل عام في مدينتي " ديلوس " و" أولينثث "، كما عرف الحوش في العمارة الفارسية والرومانية أيضا (103). ويعتبر الفناء الداخلي هو العنصر الثابت والمتواجد باستمرار في مختلف العمائر الإسلامية سواء كانت دينية أو مدنية ، فهو في المساجد والمباني الدينية عبارة عن مساحة مكشوفة محاطة بالأروقة أو الأواوين ، وفي المساكن محاط بالحوائط أو الأسوار. وتجدر الإشارة هنا إلى أمرين غير مناخيين لاستعمال الفناء أو الصحن (104): أولهما يتعلق بالمسجد حيث يعد الصحن مساحة إضافية تستعمل للصلاة عند كثرة المصلين ، وثانيهما يرتبط بإيجاد الخصوصية داخل المساكن مع توفير الهدوء والبعد عن ضوضاء الشارع وفضول المارة والجيران . ونظرا لوقوع العديد من مدن العالم الإسلامي بالمنطقة الحارة الجافة حيث يكون الفرق بين درجات الحرارة في الليل والنهار كبيرا وهو أحد الظواهر المناخية المميزة لهذه المنطقة ، فإن عمل الفناء الداخلي يعتمد على هذه الظاهرة المناخية في أداء وظيفته ، حيث يقوم ليلا بإعادة إشعاع كميات الطاقة الشمسية التي اختزنها طوال النهار،في حوائطه وأرضيته ، إلى السماء مرة أخرى وفي الوقت نفسه يتم تخزين الهواء البارد به ليتم الاستفادة من برودة الفناء أثناء نهار اليوم التالي (105). أما في أثناء النهارفيختلف أداء الفناء الداخلي مع تعرضه للإشعاع الشمسي، ففي بعض الواحات بالصحراء الجزائرية استغل البناءون الاختلاف في درجة الحرارة ليحصلوا على توزيع جيد للهواء بالمباني، فقد بنيت المنازل حول فناء داخلي وخلال هذا الفناء تتم عملية سحب هوائي، فعندما يتعرض الفناء الداخلي لأشعة الشمس يقل وزن الهواء الساخن ويرتفع إلى أعلى من الفناء المفتوح وفي هذه الحالة يسحب الهواء البارد من خلال نوافذ الحجرات ليحل محل الهواء الساخن(106). أما في واحة " أمزروا " بالجزائر فيتم تشييد فناءين أحدهما أكبر من الآخر، فحين تسقط أشعة الشمس في الفناءين أو واحد منهما فإن الفناء المتعرض للشمس يكون الهواء فيه أسخن من الفناء الآخر فيرتفع الهواء فيه إلى أعلى ويخرج خارج المبنى، أما الهواء البارد فيسحب من الفناء الآخر ليحل محل الهواء الساخن الذي خرج ، وبذلك يمر الهواء البارد خلال الفراغات والغرف الواقعة بين الفناءين فيساعد على خلق جو مناسب داخل المنزل ، ونظرية الفناءين السابقة مستعملة أيضا في الشوارع الضيقة بواحتي " أمزروا " و" غرداية " فبعض الشوارع مغطى وبعضها مفتوح في مقاطع متعددة وهذا يتيح للشمس تسخين المناطق المفتوحة ومن ثم يكون لها التأثير نفسه على حركة الهواء كما تم توضيحه في نظرية الفناءين (107). وفي دراسة تحليلية لنسب الأبعاد الهندسية لأفنية الدور بالعالم الإسلامي (108)، وجد أنها في الوسط بين خطى عرض 20 و30 درجة شمالا كانت النسبة ( 1.6 : 1.3 : 1) (عرض : طول : ارتفاع ) وتعادل من 12: 15% من مساحة الدار، وبالشرق ( 1 : 1.4 : 1 ) وتعادل من 25: 45% من مساحة الدار، وبالغرب (1.6 : 1 : 1) وتعادل من 7: 25% من مساحة الدار. وفي دراسة أجريت على ثمانية أفنية داخلية مختلفة المساحة والشكل والأبعاد بمنازل تقليدية بمدينة الرياض (109) , وجد أنه على الرغم من أن النسبة بين العرض الى الطول بهذه الأفنية تتراوح ما بين ( 1 :1 ) إلى (1.7 : 1) فإن النسبة (1.3 : 1) قد تكررت في ثلاثة أفنية ، أما النسبة ما بين العرض والارتفاع فقد تراوحت ما بين (1 : 1) إلى (2.7 : 1) ولكن مرة ثانية فقد وجد أن النسبة( 1.3 : 1) قد تكررت في خمسة أفنية من الثمانية ، وقد دعمت دراسات أخرى هذه النسبة مما يجعل النسبة المثلى لأبعاد المسقط الأفقي للفناء هي ( 1.3 : 1) وذلك لأفنية المنازل التي لا تتعدى مساحتها 200م2. وفي مقارنة بين كمية الظلال داخل فنائي منزل السحيمي ومنزل الكريدلية بالقاهرة خلال أيام ا2يونية (الانقلاب الصيفي ) وا2 مارس وسبتمبر (الاعتدالين ) وا2 ديسمبر (الانقلاب الشتوي)، تبين أن فناء منزل السحيمي يتمتع بنسبة ظلال أكبر من 45% صيفا و75% شتاء، أما فناء منزل الكريدلية فإن كفاءته في التظليل كانت أكبر حيث إن ارتفاع حوائطه كان أكبر من العرض أو الطول (110)، أي أن درجة احتوائه كبيرة (111). وفي دراسة مقارنة أخرى بين أفنية منازل السحيمي وجمال الدين الذهبي والمسافرخانة وزينب خاتون وكلها تقع في القاهرة ، كانت نتيجة القياسات أن درجة حرارة الهواء داخل هذه الأفنية أقل من درجة حرارة الهواء الخارجي صيفا، كما توصلت الدراسة إلى أنه توجد علاقة بين زيادة درجة احتواء الفناء وكفاءته كمخزن للهواء البارد (112). وفي دراسة أخرى لمعرفة تأثير الفناء الداخلي بأحد المنازل التقليدية بالقاهرة في خفض درجة الحرارة ، تبين أن درجة الحرارة داخل الفناء تكون أقل من درجة الحرارة فوق سطح المنزل ، كما أن درجة حرارة الفناء تقل بحوالي 4 إلى 7م (113). وبصفة عامة فغالبا ما كانت تتوسط الفناء الداخلي نافورة أو شاذروان أو بركة ماء، كما كان يزود بالأشجار المثمرة التي كانت تلقي بظلالها على أرضيته وعلى الواجهات المطلة عليه ، حيث كانت هذه العناصر مجتمعة تعمل على ترطيب الهواء الجاف وتخفض من درجة حرارته (114) , ونظرا للتكامل بين الفناء الداخلي والحديقة بعناصرها المختلفة فقد تم توضيح هذه العلاقة التكاملية بينهما بصورة أكثر تفصيلا في الفصل السادس من هذا الكتاب . 3- التختبوش والمقعد والإيوان التختبوش والمقعد والإيوان من العناصر والفراغات المعمارية الأساسية التي وجدت في أ غلب المساكن بالمدن الإسلامية خاصة في مصر، وكان ارتباط التختبوش والمقعد بالفناء الداخلي ارتباطا أساسيا وعضويا . والتختبوش عبارة عن عنصر فراغي معماري على هيئة حجرة (أو صالة )،واجهته مفتوحة بالكامل على الصحن ويتوسط واجهته عمود أو دعامة ،وترتفع أرضيته بمقدار درجة واحدة أو درجتين عن الصحن ، وهو معد لاستقبال الضيوف في فصل الصيف حيث توجد به مصاطب حجرية أو دكك خشبية (115)، وتواجه واجهة التختبوش المطلة على الصحن عادة الشمال لاستقبال الرياح الشمالية الباردة . وقد وجد التختبوش في العديد من مساكن القاهرة الإسلامية(116) كما في بيت السحيمي (بمقاسات 6.00 , 4.800 م ) وبيت السناري (بمقاسات 5.10 – 8.10 م ) ومنزل علي كتخدا (بمقاسات 5.50 – 6.85 م ) ومنزل علي لبيب جبر (بمقاسات 3.60 – 5.50 م )، ويرى حسن فتحي (117) أن التختبوش يعتبر أحد التعديلات التي أدخلت على مفهوم الفناء لضمان تدفق الهواء بفعل الحمل Convection, حيث يتم وضعه بين الفناء الداخلي والحديقة الخلفية فيطل بواجهته المفتوحة على الفناء ويطل من خلال مشربية بالواجهة المقابلة على الحديقة ، وبما أن مساحة الحديقة أكبر من الفناء فبالتالي تكون أكثر تعرضا لأشعة الشمس لذلك يسخن الهواء بسرعة ويرتفع لأعلى مما يدفع الهواء المعتدل البرودة إلى التحرك من الفناء إلى الحديقة الخلفية مرورا بالتختبوش مؤديا إلى تكون نسيم معتدل البرودة ، وهذه هي الحالة الموجودة بالفعل في بيت السحيمي. وقد أثبتت القياسات (118) أنه عندما ترتفع درجة حرارة هواء الحديقة الخلفية المشمسة ببيت السحيمي في معظم ساعات النهار فإن ذلك يؤثر على حركة وسرعة الهواء حيث يندفع في تيارات عكسية (أي عكس اتجاه الرياح السائدة من الشمال ) من مدخل المنزل الجنوبي عبر الفناء مرورا بالتختبوش ثم الحديقة الخلفية بفعل تباين درجات الحرارة ، وتصل سرعة الهواء إلى أقصاها بالتختبوش فتبلغ 1.3م /ث وبمتوسط 0.70م /ث خلال ساعات النهار وتعادل 280% من سرعتها بالفناء الداخلي، أما التيارات السائدة من جهة الشمال الغربي فتمر من الحديقة الخلفية الشمالية بعد انكسار الشمس في فترة بعد الظهيرة من خلال التختبوش إلى الفناء وذلك في فترات سكون التيار العكسي الغالب وتكون ضعيفة في الصباح وتنشط بعد الظهيرة ليصل متوسط سرعتها ما بين 0.30 – 0.70م /ث وتعادل من 125 – 175% من سرعتها بالفناء. وتكررت الفكرة التصميمية السابقة نفسها مع اختلاف بسيط حيث تم وضع التختبوش بين فناءين داخليين أحدهما كبير المساحة ومشمس والآخر صغير المساحة ومظلل وذلك في منزل علي كتخدا بمنطقة السيدة زينب بالقاهرة(119)، ولقد تأثر المعماري المصري حسن فتحي بهذه الفكرة السابقة فقام بتوظيفها عند وضع تصميمات قرية " باريس " بالواحات الخارجة بمصر حيث وضع تختبوشا بين فناءين أحدهما مظلل والآخر مشمس لتحريك الهواء بفعل الإشعاع الشممسي (120). أما المقعد فهو فراغ معماري مخصص لجلوس الرجال وغالبا ما يوجد بالطابق الأول من المسكن (غالبا أعلى التختبوش ) حيث يتم الوصول إليه عن طريق سلم داخلي، وتكون واجهة المقعد على هيئة عقود محمولة على أعمدة حيث تطل على الفناء أو الحديقة الداخلية وتواجه جهة الشمال التي تهب منها الرياح الباردة صيفا (121)، أو تنحرف عن الشمال قليلا في حالات أخرى. وفي دراسة أجريت على فناء منزل السناري بحي السيدة زينب بالقاهرة يوم ا2يونية حيث زاوية الشمس تكون في أقصى ارتفاع لها على مدار العام ، تم دراسة تعرض واجهات الفناء لكل من الشمس والظل ، فوجد أن واجهة الفناء البحرية يوجد بها كل من المقعد والتختبوش ، والمقعد بالدور الأول يبدأ في التعرض للشمس من الساعة السادسة صباحا وحتى الساعة التاسعة صباحا، أما التختبوش بالدور الأرضي فتدخله الشمس الساعة التاسعة صباحا فقط وتكون شدة الإشعاع الشمسي حينئذ حوالي 10.70 وات /م2 فقط في حين أن شدة الإشعاع الشمسي في ذلك الوقت على الواجهة الشرقية للفناء تصل إلى 341 وات /م2، أما بعد الظهر فيبدأ المقعد في التعرض للإشعاع الشمسي من الساعة الثالثة وحتى الخامسة حيث تبلغ أقصى شدة إشعاع على الواجهة البحرية حوالي 96 وات / م2في حين أن الواجهة الغربية للفناء تتعرض في هذا الوقت لشدة إشعاع شمسي يبلغ 341 وات /م2 (122). مما سبق يتضح أن اختيار الواجهة البحرية التي تطل على الفناء ووضع كل من المقعد والتختبوش بها، وهما فراغان مفتوحان ويطلان مباشرة على الفناء، هو اختيار مثالي من حيث التعرض لأقل عدد ساعات تعرض للشمس مع أقل كمية ممكنة من الطاقة الشمسية مقارنة بباقي واجهات الفناء الأخرى. ومن أنواع المقاعد الأخرى التي وجدت في بعض البيوت الإسلامية ما يسمى بالمقعد " الطيارة " وهو عبارة عن غرفة تبنى في البيوت القرميدية السقوف على قمة الهرم وقد تسقف هي الأخرى بالقرميد أيضا، وتكون صغيرة الحجم كثيرة الفتحات تستعمل عادة للنوم في أثناء أيام الحر يوصل إليها بسلم داخلي (123)، ويرى البعض أن سبب وصف هذا النوع من المقاعد بالطيارة يرجع إلى وجوده دائما بمكان مرتفع أعلى المبنى أو على السطح حيث يكون مفتوحا من جهاته الأربع فيكون شديد التهوية مما يجعل الجالس به يشعر وكأنه طائر (124). أما الإيوان فهو عنصر معماري وجد في مختلف العمائر الإسلامية الدينية والسكنية ، وهو عبارة عن صفة أو مجلس واسع مظلل أو قبو مفتوح المدخل لا أبواب له (125)، والإيوان إما أن يشرف مباشرة على الخارج أو يطل على حديقة أو فناء يدخل في حرم البيت ، ومن الناحية المناخية فالإيوان يحمي من الحر ويستقبل الهواء العليل ويعزل الغرف التي على جانبيه صيفا وشتاء عن عوامل الجو الخارجية ، وليس من العبث أن يختار اللبنانيون الإيوان ليكون غرفة جلوسهم (126). وعند تواجد إيوانين في بيت واحد فيكون أحدهما صيفيا، حجمه واسع وعال ويواجه الشمال ليستوعب تبريد ما حوله ، ويقابله إيوان آخر شتوي حجمه أقل من الآخر بشكل ملحوظ ويواجه الجنوب ليحتفظ بدفء الشمس ، ويلاحظ أن أرضية الإيوان الشتوي ترتفع عن مستوى الحوش ليدخلها الإشعاع الشمسي بسهولة (127). وقد يكون الإيوان حبيسا ، أي غير مزود بنوافذ تطل على الخارج حيث يكون مفضلا في شهور الشتاء الباردة ، وعادة فإن القاعة بالمسكن الإسلامي كانت تتكون من إيوانين تتوسطهما درقاعة ويرتفع منسوب أرضية كل من الإيوانين عن منسوب الدرقاعة بمقدار درجة و احدة (128). 4- ملاقف الهواء: تعتبر ملاقف الهواء أحد أهم العناصر المميزة في المباني الإسلامية خاصة التي بالمناطق الحارة ، وتعرف ملاقف الهواء على أنها مداخل تقوم بتهوية المبنى في وجود مخارج للهواء (129)، فإذا ما اندفع تيار هواء داخل غرفة ولم يجد له مخرجا فإن هذه الغرفة سرعان ما تمتلئ بالهواء ويصبح الهواء الداخلى فى حالة سكون. لذا استخدم الفناء الداخلي مع الملقف لإتمام حركة الهواء داخل الغرف التي تستخدم الملاقف لتهويتها ولها فتحات تطل على الأفنية الداخلية، كما استخدمت الشخشيخة مع الملقف في تهوية القاعات الإسلامية حيث يخرج الهواء الساخن منها ويحل محله هواء بارد من الملقف أو الفناء. وقد استخدمه قدماء المصريين في مبانيهم وظهر ذلك في بعض الرسومات التي ترجع إلى سنة 1300ق.م في مسكن "نب آمون" (الأسرة التاسعة عشر) (130)، حيث يظهر رسم لملقف مزدوج يستخدم أحدهما لدخول الهواء البارد والثاني لتصريف الهواء الساخن(131). وقد انتشرت هذه التقنية بصور وأشكال متعددة بعضها بدائي بسيط وبعضها متطور في مناطق واسعة من العالم الإسلامي، وخاصة منطقة الخليج العربي والعراق ومصر وإيران وباكستان وأفغانستان ، وتتفوق أبراج التهوية عن غيرها من الفتحات والنوافذ بمميزات متعددة أهمها (132): 1- الحصول على هواء نقي نسبيا من الأتربة وذلك لبعد مصدر الهواء عن سطح الأرض . 2- الحصول على هواء بسرعة أعلى وذلك لأن سرعة الهواء تتزايد كلما زاد الارتفاع عن سطح الأرض. 3- الارتفاع والبعد عن المباني والعوائق المادية التي تحجب أو تعيق الرياح من الوصول للنوافذ . 4- توفير التهوية للمباني أو الفراغات التي لا توجد لها نوافذ خارجية. 5- تلطيف درجة حرارة الهواء المار خلال جسم البرج. 6- اقتناص نسيم الهواء من جميع الاتجاهات ، بصرف النظر عن توجيه المبنى وذلك في حالة أبراج الهواء التي لها أربعة أو ثمانية فتحات لاصطياد الهواء. إن الناظر إلى المدينة الإسلامية من أعلى يخيل إليه وكأنها تتنفس من خلال هذه الملاقف التي اتفقت وظيفتها في مختلف بلاد العالم الإسلامي وان اختلفت تسميتها من منطقة لأخرى، حيث تعرف في البلاد العربية باسم ملاقف الهواء وفي بلاد إيران باسم "البادجير" وهي كلمة فارسية تعني برج الهواء أو ملقف الهواء (133)، وهي لها أهمية كبيرة في المدن الكثيفة السكان فالأبنية المتلاصقة تحول دون الرياح وتقلل سرعتها على مستوى الشارع فتصبح النوافذ غير كافية لتوفير التهوية اللازمة ويمكن تصحيح هذا الوضع باستعمال الملقف (134)ز وعادة ما يحتوي برج الرياح على أحد نظامي التبريد الآتيين (135): 1- تبريد حسي Sensible cooling : ويعتمد هذا النظام على خفض درجة حرارة الهواء مع عدم تغيير محتوى بخار الماء. 2- تبريد بالتبخير Evaporative cooling: وفي هذا النظام يتم ترطيب مباشر للهواء حيث تقل درجة حرارة الهواء مع زيادة محتواه من بخار الماء، وعادة ما يستعمل هذا النظام في المناطق الحارة الجافة . وتنقسم ملاقف الهواء إلى عدة أنواع أهمها (136): ملقف السطح والملقف ذو البئر وهما ملاقف هواء ذات اتجاه واحد يتبع اتجاه الرياح السائدة بكل منطقة ، أما الكاشتيل أو أبراج الرياح فهي متعددة الاتجاهات وتستعمل في المناطق التي تهب فيها الرياح من أكثر من اتجاه ، وأخيرا توجد أنواع أخرى من الملاقف البسيطة الشكل مثل الحائط المزدوج والكوات الحائطية والبدقش ، وفيما يلى استعراض لأنواع الملاقف التى ورد ذكرها . ملقف السطح: يعد من أبسط أنواع الملاقف وهو عبارة عن فتحة ترتفع عن سطوح الأبنية في الأماكن الحارة ، مائلة السقف مغلقة الجوانب ما عدا الجهة التي تواجه تيارات الهواء الرطب (السائد) تتلقفه فينحدر إلى الطوابق السفلي المتصلة بالملقف ويحل مكان الهواء الذي يصعد إلى أعلى مما يخلق تيارا هوائيا رطبا باستمرار (137)، وقد كانت مظلة الملقف المائلة تصنع من الخشب وتميل بزاوية مقدارها 45درجة وتكون جوانب الملقف من الخشب أو الطوب ، ومن أشهر أمثلة هذا النوع من الملاقف ما وجد في بعض المساكن الإسلامية بالقاهرة كبيت السحيمي وبيت السناري. وتختلف طريقة عمل ملقف السطح في حالة هبوب الرياح أو عند سكونها (138)، ففي حالة هبوب الرياح ليلا أو نهارا يدخل الهواء من فتحة الملقف (المواجه للرياح السائدة ) بعد أن يمر على حديقة السطح (إن وجدت ) فتنخفض درجة حرارته حيث يحل محل الهواء الساخن الذي يتصاعد إلى أعلى ويخرج من فتحات الشخشيخة ، أما في حالة سكون الرياح نهارا فإن درجة حرارة سطح الملقف المائل ترتفع بسبب تعرضها لأشعة الشمس فتتكون منطقة منخفض عند فتحة دخول الهواء مما يؤدي إلى سحب الهواء من داخل المبنى إلى الخارج ويحل محله هواء بارد رطب من الفناء المظلل والمزود غالبا ببعض النباتات والنوافير المائية ، أما في حالة سكون الرياح ليلا فإن الهواء البارد ينزل عبر الملقف إلى داخل المبنى تحت تأثير كثافته المرتفعة ويخرج الهواء الساخن من فتحات الشخشيخة العلوية. وفي دراسة باستخدام نفق الرياح (طريقة معملية ) لدراسة الأسلوب الأمثل لأداء ملقف الهواء ذي السقف المائل ، تم استنتاج ما يلي (139): 1- تزيد سرعة تدفق الهواء داخل الملقف ذي السقف المائل بزاوية ميل 30 ثم 15 ثم 45درجة ، وكلما كانت فتحة دخول الهواء بارزة وذات سقف منحنى زادت سرعة دخول الهواء. 2- النسبة المثلى لفتحتي دخول وخروج الهواء المتقابلتين هي 2:3ليتحقق انتشار الهواء وتجانسه بالفراغ . 3- تزيد سرعة الهواء وتجانسه بالفراغ مع امتداد برج الملقف إلى 1/2: 1/3 ارتفاع الفراغ الداخلي، حيث فتحة خروج الهواء في منتصف الحائط المواجه لفتحة دخول الهواء بالملقف . وفي دراسة حديثة لتطوير الأداء الحراري لملاقف الهواء (140) ، فقد تم التوصية بوضع رشاش الماء على السطح أمام فتحات دخول الهواء للملاقف السطحية بحيث يمر الهواء القادم من جهة الرياح السائدة على الماء الخارج من هذا الرشاش فيتم ترطيبه ، وبالتالي تنخفض درجة حرارته قبل دخوله للمبنى من خلال شبابيك الملقف ، ومن جهة أخرى فإن الماء الساقط من الرشاش على سقف سطح المبنى يعمل على تبريد االفراغات المعمارية الواقعة أسفله عن طريق نظام التبريد غير المباشر بالتبخير، حيث يتم استنفاد جزء كبير من الإشعاع والطاقة الشمسية الواقعة على سطح المبنى لتبخير هذا الماء، أي أنه في هذا النظام المقترح استخدمت رشاشات الأسقف ، لأول مرة ، كأدوات ترطيب وتبريد بنظامي التبخير المباشر وغير المباشر. الملقف ذو البئر: وهو عبارة عن ملقف مزود ببئر هواء يبنى عادة في ركن القاعة المقابل لاتجاه الرياح النقية السائدة في فصل الصيف ، وتكون حوائطه مشيدة بالطوب المحروق أو الحجر الجيري بسمك كبير، مع مراعاة ألا تكون هذه الحوائط معرضة لأشعة الشمس كما يكون السطح العلوي لهذا الملقف مائلاًً بزاوية مقدارها 45 درجة (141) ، وعادة ما يعمل سطحه من الخشب وجوانبه من الحجر أو الطوب وهو في ذلك يتشابه مع ملقف السطح إلا أنه يتميز عنه بوجود بئر الهواء الذي يفتح في القاعة أو الفراغ المراد تهويته ، كما أنه يزود بعناصر كالحصر المبللة (142)، تعمل على خفض درجة حرارة الهواء المار بالبئر وزيادة نسبة رطوبته ، أو تستخدم جرار من الفخار مملوءة بالماء وتعلق في الجزء العلوي من البئر، وعادة ما يوضع في أسفل البئر بعض الفحم على حامل من الشبك لترشيح الهواء من الأتربة قبل دخوله للفراغ المراد تهويته(142). وقد اقترحت دراسة ألا تقل فتحة دخول الهواء بالملقف البئري عن حوالي 1.20 – 1.080م ، وألا تقل أبعاد البئر عن 0.90 – 1.80م على ألا يقل ارتفاع الجزء الرأسي البارز من البئر فوق سطح المبنى عن 1.80م ثم بعد هذا الارتفاع يتم عمل السقف المائل للملقف (144). إن طريقة عمل الملقف ذي البئر تتشابه مع طريقة عمل ملقف السطح التي سبق أن أوضعناها، غير أن الملقف ذا البئر يمتاز بالحوائطا السميكة التي تؤدي دور أكبر في عملية تعديل درجة الحرارة ليلا أو نهارا ، كما أن وجود بعض عناصر لترطيب الهواء داخل البئر تعمل على تعديل نسبة رطوبة الهواء، لذا فهو يصلح للمناطق الحارة الجافة (145). لقد وجد ملقف الرياح ذو البئر ( النفق ) في بيوت صعيد مصر وبالعمائر المملوكية كما وجد في إيران والعراق ، واستخدم في المنزل الفارسي والعراقي لتهوية السرداب (البدروم )، حيث يرتفع الملقف فوق سطح المبنى بحوالي 2إلى 3م وتتجه فتحة مأخذه إلى اتجاه نسيم الهواء الصيفي لالتقاطه وتوجيهه إلى فراغ السرداب من خلال فتحة مخرج الملقف التي تعلو أرضية السرداب بحوالي 1.50م حيث يستخدم السرداب كفراغ معيشي في فترة الذروة الحرارية خلال ساعات النهار (146)، وتكون حركة الهواء بالمنزل العراقي خلال، النهار و الليل ، كما يلي(147). يتدفق الهواء خلال السرداب صباحا حيث تكون جدران الملقف باردة والرياح سريعة فيندفع الهواء لأسفل السرداب ويخرج الهواء الساخن عبر فتحات موجودة بسقف السرداب بفناء المسكن ، وفي المساء تسكن الرياح ونزداد سخونة جدران السرداب والملقف وتتفاوت درجة حرارتهما وحرارة الفناء الذي يكون قد فقد حرارته بالإشعاع إلى السماء، فيندفع الهواء البارد من الفتحة الموجودة بأرضية الفناء (الناروزة ) إلى السرداب دافعا الهواء الساخن عبر الملقف للخارج بفعل الفرق بين درجات الحرارة. برج الرياح أوالكاشتيل الكاشتيل عبارة عن برج للرياح يقوم باصطياد الهواء من خارج المبنى للغرف الداخلية ، وعادة ما يكون مربعا ويرتفع أعلى المبنى (148)، ويتواجد بأركان المبنى وعادة ما يفتح في قاعة الاستقبال الرئيسية وقد يستمر إلى أن يفتح في السرداب أسفل المبنى، ويشيد عادة من الطوب المدعم بالعروق الخشبيه (149). ويتم تقسيم برج الرياح المربع إلى أربعة أقسام رأسية متساوية مثلثة المسقط بواسطة حائطين قطريين متقاطعين ، أو يقسم في حالة ما يكون مستطيل المسقط إلى أربعة أقسام مستطيلة بواسطة حائطين متعامدين موازيين للجدران الخارجية للبرج ، بحيث تزيد مساحة الأفقي لكل من البئرين المواجهين للرياح عن مساحة الأفقي لكل من البئرين الآخرين (150). وتأخذ أبراج الرياح أشكالا مختلفة حسب الظروف المناخية المحلية اتجاهات الرياح المرغوب فيها في كل منطقة ، فهي رباعية أو ثمانية الجوانب في المناطق التي تهب الرياح الباردة عليها من اتجاهات مختلفة ، ويفضل استعمال البرج المستطيل في المناطق التي يكون اتجاه الرياح الباردة فيها محددا بحيث تكون الواجهة المستطيلة للبرج هي المواجهة لهذا الاتجاه (151)، وحفاظاًَ على المبنى من دخول الأترية فيه عن طريق برج الرياح فيتم عادة بناء قاعدة البرج بحيث يزداد عرضها عن جسم البرج نفسه ، وبذلك تزداد مساحة قطاع الهواء المار عند القاعدة فتقل سرعته مما يعطي فرصة للأتربة لأن تترسب في أسفل البرج ولا تدخل مع الهواء إلى الفراغ المراد تهويته(152) وفي حالة المناطق الحارة الرطبة كمنطقة الخليج العربي، فإنه توضع مواد جيرية داخل البرج لامتصاص رطوبة الهواء الزائدة فيدخل غرف المبنى أقل رطوبة وأكثر جفافا(153)، أما في بعض مناطق إيران فيتم وضع برج الرياح على مسافة 50م من المبنى المراد تهويته ويتصل به من خلال نفق مبني تحت الأرض (154)، ونظرا لانتشار الماء المستخدم في ري الحشاثش والأشجار خلالها فيعمل على ترطيب جدران النفق تحت الأرض والذي يقوم بدوره بخفض درجة حرارة الهواء المار خلاله ، وفي أحيان أخرى تستخدم المياه الجوفية الأرضية لتبريد الهواء الذي تم اصطياده عن طريق أبراج الرياح بإمرار هذا الهواء تحت منسوب الأرض على جداول المياه الجوفية (155). وفي تطبيق آخر بإيران فإنه تستخدم أبراج الرياح لتبريد خزانات المياه الأرضية (156) ، حيث كان الماء البارد للاستعمال أثناء الصيف يتم حفظه في خزانات مقببة الأسقف يبلغ عمقها من 10 إلى 20م ، وكانت هذه الخزانات تملأ بالمياه في ليالي الشتاء الباردة ، ولحفظها باردة للاستعمال في الصيف كان يتم تهيئة سطح الماء لعملية تبخر طبيعي من خلال تحريك تيار هوائي من عدة أبراج للرياح ، ثم يخرج الهواء من خلال فتحة في أعلى القبة التي تغطي الخزان المبني تحت الأرض ، ولكن لأسباب صحية كاد أن يتم التخلي عن استعمال مثل هذه النوعية من الخزانات المائية . أنواع أخرى من ملاقف الهواء توجد أشكال وأنواع مبسطة لعناصر معمارية إسلامية ولكنها تؤدي وظيفة ملاقف الهواء نفسها، فيوجد نوع على شكل حائط مزدوج يكون جزءا من حائطاً في الحوش أو حائط خارجي، يحتوي على فتحات بطول الحائط الخارجي من أعلاه أما داخل الغرفة فتكون الفتحات قريبة من الأرض (157) ، فعند هبوب الرياح تصدم بأحد الحائطين ثم تمر من خلالهما إلى داخل الغرفة ، ويراعى ألا يكون الحائط معرضا للشمس حتى يظل باردا لساعة متأخرة من النهار فيستطيع أن يبرد الهواء الساخن عند دخوله وملامسته للحوائط الداخلية للملقف ، ومن أمثلة ملقف " الحائط المزدوج " ما يوجد خلف منبر جامع الصالح طلائع من العصر الفاطمي بالقاهرة (158). كما اشتهر في مباني منطقة الخليج العربي عنصر معماري يعرف باسم " البادجير "، وهو عبارة عن ردود في الجزء العلوي من دروة سطح المبنى أو المسكن بحيث يصطدم الهواء به فينزل لأسفل من خلال المسافة المتروكة بين الجزء العلوي والسفلي من الدروة على الجالس بسطح المبنى خلف البادجير (159). وتعتبر أيضا الكوات الحائطية من أنواع ملاقف الهواء التي تستعمل في مباني منطقة الخليج العربي، حيث يبدو هذا الملقف من خارج المبنى على هيئة صف من الكوات المجوفة ، ويوجد بقاع كل كوة فتحة يغطيها مصراع يمكن التحكم في فتحه أو إغلاقه من الداخل (160). أما البدقش (161) , (162) فيعتبر تحويرا للملقف ذي الكوات الحائطية حيث إنه مقطع بالحائط الجزء العلوي منه رادا للخلف تاركا فجوة لمرور الهواء لداخل الغرف ، أما الدرايش (163) فهي عبارة عن شبابيك تستخدم كملاقف للهواء ذات سقف مائل ، بحيث يوضع خشب يستخدم كمصد للرياح الباردة ليتم توجيهها إلى داخل الغرف . 5- النوافذ والفتحات : تطلق كلمة نافذة على الفتحة التي تخترق جدارا بغرض التهوية والإضاءة أو المراقبة أو الرماية أيا كان شكلها أو حجمها (164)، وتؤدي النوافذ عادة وظائف ثلاثا (165): إدخال نور الشمس المباشر وغير المباشر، وإدخال الهواء، وتوفير المنظر. وتقوم النوافذ بشكل عام في الأقاليم المعتدلة بهذه الوظاثف الثلاث بشكل ملائم ، أما في المناخ الحار الجاف كما هي الحال في معظم البلاد الإسلامية فيندر أن تجتمع هذه الوظائف الثلاث فيها ، لهذا طورت عدة حلول للقيام بكل وظيفة على انفراد ، كما في حالة الاستعانة مثلا بملاقف الهواء لتهوية بعض الحجرات التي لا تواجه الرياح السائدة . وقد تكون النوافذ ضيقة من الداخل واسعة من الخارج لتوسيع زاوية الرؤية من جهة وتخفيف كمية النور ومنع الأشعة المباشرة من الدخول ، ومثال هذه النوعية من النوافذ موجود في العديد من العمائر الإسلامية ، مثل قصر الزهراء في الأندلس الذي كانت بعض نوافذه عرضها من الخارج 100سم ومن الداخل 50 سم (166)، وهذه النوافذ غرضها جلب الضوء إلى داخل دار الجند، وكذلك تستخدم للمراقبة والحراسة . وقد كانت شبابيك الدور الإسلامية الواسعة والتي تزود غرف البيت بالضوء والهواء تفتح على الصحن الداخلي، والضيقة المرتفعة بالجدران الخارجية إذا ما فتحت فيها، وخضع ذلك لضرورة مناخية من جهة ودينية واجتماعية من جهة أخرى، فلا يجوز في العمارة الإسلامية أن يتعرض داخل الدار لأنظار الفضوليين من خارجه ، كما لا يقبل في الوقت نفسه أن تشرف النوافذ الخارجية على حرم البيوت المجاورة (167). وفي دراسة للعلاقة بين النسبة المئوية للمباني المصمتة والأجزاء المفتوحة (نوافذ أو فتحات ...) في بعض المساكن الإسلامية القديمة بالقاهرة (168)، لوحظ أنه ليس هناك نسب ثابتة للمفتوح والمصمت بواجهات هذه المساكن وأن النسب تتراوح بين0ا % و20% للمفتوح ، وهي تتطابق تماما مع ما أوصت به دراسة حديثة (169) بأن تكون الفتحات بمباني القاهرة صغيرة جدا وتتراوح بين 0ا% و20% أما بالنسبة لبعض واجهات المسكن القديمة بمدينة رشيد المصرية ، فقد وجد أن هناك نسبة ثابتة بين المفتوح والمصمت ، حيث تبلغ نسبة المفتوح بالواجهات حوالي 25% (170)، ويلاحظ أنها أكبر من النسبة الموجودة بمساكن القاهرة الإسلامية حيث إن مدينة رشيد تقع بالوجه البحري وتطل على البحر المتوسط ، أي أن ظروفها المناخية أقل حدة من ظروف مدينة القاهرة . إن توزيع الفتحات بواجهات المباني الإسلامية ، خاصة السكنية ، كان يتم وفق دراسة دقيقة وفقا لتوجيه كل واجهة وما تتعرض له من إشعاع شمسي، وهو ما أوضحته إحدى الدراسات الحديثة ، فقد اتضح من دراسة الواجهات المطلة على فناء منزل جمال الدين الذهبي بالقاهرة الإسلامية أن أسلوب توزيع الفتحات وأماكن البروزات خاصة بكل من الواجهتين الشرقية والجنوبية قد أتاح توافر كم كبير من الظلال في منتصف النهار صيفا، حيث تأخذ الشمس أكبر ارتفاع لها بالسماء، كما لوحظ أن نسبة الفتحات بالواجهة الجنوبية تشكل حوالي 11.66% من إجمالي مساحة الواجهة ، وأن نسبة وقوعها في الظل نتيجة للبروزات الموجودة بالواجهة قد وصل إلى 86% ، أما في الشتاء فإن نسبة تظليل هذه الفتحات تقل لتصبح 75% (171)، مما يدل على أن هذه الفتحات تتمتع بكمية أكبر من الإشعاع الشمسي، وهو شيء مطلوب في أثناء الشتاء, وهو ما يؤكد أن توزيع الفتحات ومقدار البروزات قد تم بأسلوب يعمل على تعظيم كم الظلال صيفا وتقليله شتاء . لقد تمكن البناء المسلم من معالجة المشاكل المناخية داخل المبنى على أسس علمية وبأبسط الحلول المعمارية ، ففي بلدة " غرداية " بوادي الميزاب بالجزائر وجا أن ضريح " سيدي إبراهيم " توجد به ريح منعشة باردة ناتجة عن التيارات الهوائية بالداخل حيث توجد فتحات صغيرة في الحائط المواجه للرياح وفتحات كبيرة على هيئة أقواس في الحوائط المقابلة ، وعلى هذا فإنه من الواضح أن البنائين في "غرداية " كانوا على دراية بأن فرق الضغوط في اتجاه الريح والاتجاه المضاد للريح على الحوائط يؤثر في كمية حركة الهواء داخل المبنى، فكلما زادت نسبة فتحة خروج الهواء عن فتحة دخوله زادت حركة الهواء داخل المبنى (172)، وهو ما تؤكده المعادلة التالية التي نشرت بوساطة محطة الأبحاث البريطانية (173): (ك = 50ا3م س )، حيث " ك " تمثل معدل حركة الهواء بالقدم المكعب/ساعة ، و" م " مساحة فتحة دخول الهواء بالقدم المربع ، و" س" تمثل سرعة الهواء بالميل/ساعة ، وتتغير هذه المعادلة في حالة تغير فتحة دخول الهواء عن فتحة خروج الهواء فكلما قلت فتحة دخول الهواء عن فتحة خروج الهواء زاد معدل حركة الهواء داخل المبنى. ويعتبر الرواق المسقوف Loggia في بيت الضيافة في قرية القرنة قرب الأقصر بمصر من الأمثلة المهمة للظاهرة السابقة ، فحتى في يوم حار جدا يهب نسيم معتدل البرودة إلى داخل الرواق ، ويرجع هذا إلى التصميم المعماري الذكي الذي يوظف مبادئ علم التحريك الحراري، فالحجرة تطل من ناحية فناء مدابر للريح ، وفي الناحية الأخرى يحجب الرياح السائدة حائط شبه مغلق فيه صفان من الفتحات الصغيرة ، فينتج عن تدفق الهواء فوق المبنى وحوله منطقة ضغط جوي منخفض في الجانب المدابر للريح في داخل الرواق مما يؤمن تدفقا منتظما للهواء بطريقة السحب Suction من خلال الفتحات الصغيرة (174)، وهذا المبدأ نفسه مطبق في إقليم " الحلة " بالعراق حيث استخدمه القرويون في تهوية مبانيهم (175). وفي المساجد والقصور كانت بعض الشبابيك تشبك بالجص وتحفر بالرخام على أشكال هندسية أو نباتية أو كتابية ، وغالبا ما تملأ الفراغات بالزجاج الملون (176)، وكانت في هذه الحالة تعرف باسم " الشمسيات " , وأول هذه الشمسيات الرخامية المزججة وجدت في المسجد الأموي، أما تلك التي زود بها جامع ابن طولون فجصية مزججة (177). أما " القمرية " فهي عبارة عن منور ضيق يفتح فوق الأبواب أو النوافذ أو في أعلى الجدران , ولعلها نسبة إلى قمر، إذ إن النور الذي يتخللها يكون خافتا بعكس ذلك الذي يدخل من " الشمسية " (178). واذا كانت القمرية تشبه الشمسية في فكرتها الأساسية إلا أنها أصغر حجما منها فإن كلتيهما تعمل على حماية الفراغات الداخلية من التعرض المباشر لأشعة الشمس (179)، كما أن من وظيفتهما منع الحشرات التي تتسلل من خارج المبنى إلى داخله ، كما أنها ترشد كمية الضوء الداخل إلى المكان وتمنع الأتربة من الدخول إلى جانب تخفيفها من الأحمال على الأعمدة الحاملة للعقود (180). من هذا يتضح بعض القيم الوظيفية البيئية لكل من الشمسيات والقمريات بجانب القيم الجمالية والشكلية التي تؤديها، حيث نجح الفنان المسلم في إيجاد علاقة تجمع ما بين القيمة الجمالية والنفعية في آن واحد . وجدير بالذكر هنا أن نشير إلى أن عملية حفر الجبس (الجص) بأشكاله النباتية والهندسية المكونة للشمسية أو القمرية يكون حسب ارتفاع الحشوة عن مستوى النظر، وله دراسة علمية لزاوية الحفر، فزاوية الحفر لشمسية موضوعة في مستوى النظر تختلف عن أخرى موضوعة على ارتفاع ثمانية أمتار أو أكثر، مما يجعل ذلك واردا كاعتبار في حسابات التصميم ، وإلا فلن ترى العينان فتحات الزجاج الملون إلا بلاطة معتمة من الجبس (181). ويوجد أسلوب آخر تم اتباعه في تصميم بعض النوافذ والتي يطلق عليها اسم " الشعرية "، وهي عيدان دقيقة من خشب توضع على النوافذ متشابكة تسمح بدخول الهواء والنور مخففين ، وتحجب داخل المنزل ، بينما يمكن من خلالها رؤية ما يجري خارجه وقد تكون الشعرية جزءا من مشربية (182)، كما يمكن أن توضع بأعلى النوافذ، حيث تسمح بدخول مقدار مناسب من الضوء والهواء (183). 6- المشربيات : يحتل فن المشربية مكان الصدارة في الفنون الحرفية التقليدية لارتباطها بالعمارة منذ بداية الحضارة الإسلامية في مصر، بل قبل ذلك منذ العصر القبطي حيث توجد أديرة وكنائس يعود بعضها إلى ما قبل الإسلام ، وبها حجب ونوافذ باقية حتى اليوم من وحدات الزخارف الخشبية المخروطة أو المفرغة بالخشب أو من الزجاج المؤلف بالجص (184)، ومن أهم ما تبقى من مشربيات كنائس حي مصر القديمة بالقاهرة إحدى مشربيات واجهة كنيسة " أبي سرجة " والتي يرجع تاريخ إنشاء المبنى القديم منها إلى القرن الثامن الميلادي (185)، وهي مشربية بسيطة خالية من الزخارف والشرفات . وعلى ذلك فإن ظهور المشربية بشكلها المتميز يرجع إلى الأقباط الذين ورثوا عن أجدادهم الفراعنة سر صناعة الأخشاب ، ويرجع البعض بدايات ظهور المشربية (بشكل مبسط جدا) إلى تلك المحاولات التي ظهرت في العصور الفرعونية والتي تتضح من خلال بعض الرسوم الجدارية لمنزل " نب آمون "، وقد تغطت فتحاته بخطوط شبكية متقاطعة ، إما بخطوط رأسية بينها دوائر مفرغة أو بخطوط شبكية متقاطعة ذات لون طوبي، ومن المعروف أن هذا اللون في الرسوم الفرعونية يرمز إلى الخشب ، مما يدل على أنهم استخدموا وحدات الخشب المتقاطعة ذات الفراغات في الفتحات الخارجية لمعالجة مشاكل المناخ في مصر(186). والمشربية معالجة معمارية تسمح بدخول الرياح الملطفة ولا تسمح بدخول أشعة الشمس ، وعادة ما تغطي السطح الخارجي للشبابيك والبلكونات أو الشكمة التي تستعمل للجلوس في الداخل (187)، كما تعمل على تحقيق قدر كبير من الخصوصية حيث يرى من بداخل المسكن من في خارجه من دون أن يرى بفضل خرط المشربية الضيق الذي يصنع من قطع خشبية مخروطة ومتداخلة ومجمعة ضمن أطر تجعل منها غرفة صغيرة مستطيلة أو مضلعة المسقط أو مسطحة الجدران (188)، وقد انتقلت المشربية من مصر إلى بعض الدول العربية الأخرى، وكانت تصنع أحيانا من خامات غير الخشب كالرخام أو الجص أو المعدن نتيجة لوفرة هذه الخامات في تلك البلاد . وقد تباينت الآراء حول أصل كلمة " مشربية " وسبب تسميتها بهذا الاسم ، فالبعض يرى أن كلمة مشربية مشتقة من كلمة " مشربة " (أي الغرفة )، لأن المشربية هي غرفة صغيرة بارزة عن سمت الحائط ، وآراء أخرى ترى أن كلمة مشربية تحريف لكلمة " مشربة وجمعها مشربات " أي الإناء الذي يشرب منه (189). كما يطلق على المشربية أسماء متعددة في بعض الدول العربية الأخرى كالمشرفية بالفاء بدلا من الباء، نظرا لإشرافها على الشارع ، كما يطلق عليها في العراق اسم " الشناشيل "، كما عرفت المشربية في وثائق العصر المملوكي باسم " روشن " ولا يزال يطلق عليها هذا الاسم في بعض الدول العربية مثل السعودية (190). وتؤدي المشربية عدة وظائف منها ما هو مناخي والآخر اجتماعي، وتتمثل القيم الوظيفية للمشربية في الوظاثف التالية (191) , (192): أ- ضبط مرورالضوء: يتكون ضوء النهار الداخل من خلال أي فتحة من عنصرين : ضوء الشمس المباشروالوهج المنعكس ، ويفضل عادة حجب ضوء الشمس المباشر القادم من خلال الفتحة لأنه يسخن الأسطح داخل الغرفة مما يؤدي إلى رفع درجة حرارة الجو بها، أما الوهج المنعكس فلا يسخن الأسطح داخل الغرفة بشكل فعال ، لكنه يسبب إزعاجا للبصر(زغللة Glare) (193). وتساهم المشربية في التخفيف من حدة هذه الأشعة المباشرة وغير المباشرة ، فمن خلال أحجام وحدات الخرط الخشبي والفراغات الموجودة بينها يتم التحكم في مرور الضوء، فهي تصمم لتعترض ضوء الشمس المباشر وقد يتطلب هذا الأمر أن تكون الفراغات صغيرة ، وللتعويض عن تضاؤل الإضاءة المصاحب لذلك تكون الفراغات بين وحدات الخرط أكبر في الجزء العلوي من المشربية ، مما يسمح للوهج المنعكس بأن يزيد لمعان الجزء العلوي من الحجرة (فوق مستوى النظر)، بينما من الخارج تنتهي المشربية من أعلى برفرف (مظلة) تعمل على منع ضوء الشمس المباشر من الدخول ، خاصة في الواجهات القبلية والغربية . وقد أوضحت بعض القياسات التي أجراها أحد الباحثين (في 15 فبراير 1974) على مشربية بقاعة الحريم ببيت السحيمي، مدى تأثير الخرط الخشبي الموجود بالمشربية على تقليل شدة الإضاءة داخل الحجرة (194). ب- ضبط تدفق الهواء: يمكن عن طريق المشربية التحكم في سرعة الهواء وتدفقه داخل الحيز الداخلي كما يلي (195): أ- التحكم في مسطح الفتحة حتى لو أردنا أن نجعلها بكامل مسطح الجدار وذلك دون الخوف من أشعة الشمس الحادة أو الضوء الباهر. ب- اختلاف فراغات المشربية في الأجزاء السفلى والأجزاء العليا، إذ تصمم الفراغات المحصورة بين قطع الخشب المخروط بحيث تكون غالبا ضيقة في الأجزاء السفلى من المشربية ومتسعة في الأجزاء العليا، وهذا الاختلاف إلى جانب فائدته الكبيرة في حجب ضوء الشمس الحاد فإنه يؤدي إلى تدفق الهواء إلى الحيز الداخلي، كما أن الأسطح الكروية لعناصر الخرط تحقق انزلاقا للهواء عليها مما يعطى تهوية جيدة أكثرمما إذا كانت هذه الأسطح مربعة أو مستطيلة . ج- هذا بالإضافة إلى أن بروز المشربية عن مستوى الحائط يتيح لها التعرض لتيارات الهواء الموازية للواجهة بالإضافة إلى التيارات الأخرى، مما يجعلها مكانا تتراكم فيه طبقات الهواء الباردة ، كما أن بعض المشربيات تمتاز بإمكانية تخلل الهواء لها من أسفل من خلال ثقب صغير في قاعدتها . ومن جانب آخر فإن تأثير الرياح على المشربية من الناحية الإنشائية يكون بسيطا نتيجة لتخلل الهواء لها، وهي ميزة ربما تنفرد بها المشربية عن غيرها من الفتحات ، وقد استخدمت المشربية في تبريد أواني الشرب الفخارية بالاستفادة من تلك التيارات الهوائية التي تتخللها، كما كانت تزود المشربيات بضلف مصمتة من الخشب والزجاج لاتقاء برودة الشتاء (196) وبهذا تكون المشربية قد أدت وظيفتها في التحكم في تدفق الهواء إلى داخل المبنى صيفا أو شتاء. ج- ضبط رطوبة الهواء: تقوم المشربية بضبط رطوبة تيار الهواء المار من خلالها إلى الحيز الداخلي لطبيعة المادة المصنوعة منها وهي الخشب ، فالخشب مادة مسامية طبيعية مكونة من ألياف عضوية تمتص الماء وتحتفظ به ثم بعد ذلك يمكن أن تطلقه ، ولكن يشترط لكي تقوم المشربية بأداء هذه الوظيفة ألا يتم طلاؤها بمواد طلاء تقوم بسد مسام الخشب الطبيعية تماما، فتعيق عملية امتصاص رطوبة الهواء ثم إعادة إطلاقها للجو مرة أخرى (197). فالهواء المار من خلال المشربية يفقد بعضا من رطوبته ، وذلك بامتصاص الخرط الخشبي لها إذا كانت معتدلة البرودة كما تكون في الليل عادة ، وفي أثناء النهار وبسقوط ضوء الشمس المباشر على المشربية فإنها تفقد هذه الرطوبة بالتبخير فيمتصه الهواء المتدفق من خلالها (198)، وبذلك تزداد رطوبته خاصة في المناطق التي تمتاز بالجفاف . وتزداد كفاءة المشربية لأداء هذه العملية في حالة استخدام وحدات خرط كبيرة نسبيا ، حيث يكون لها مساحة سطح أكبر لامتصاص بخار الماء، وبالتالي تكون لديها قدرة أكبر على إطلاق الماء بالتبخير لمدة أطول ، وهي عملية ذات فائدة كبيرة في المناخ الحار الجاف . وفي حالة ما يتم وضع جرار ماء صغيرة في بروز المشربية فإن الماء يبرد بفعل التبخر الناتج عن تخلل وحركة الهواء خلال المشربية ، ومن جهة أخرى تزداد رطوبة هذا الهواء نتيجة مروره على الجرار الفخارية الرطبة بفعل الماء داخلها ، وبذلك يمكن أن تساهم المشربية بطريقة غير مباشرة أيضا في زيادة رطوبة الهواء، وهو أسلوب تقليدى كان يتبع كثيرا في المباني الإسلامية . د- تحقيق الخصوصية والربط بين الداخل والخارج : إلى جانب الوظائف المناخية المتعددة التي تقوم بها المشربية كإحدى عناصر المعالجة البيئية في العمارة الإسلامية ، فإن لها وظيفة اجتماعية مهمة أخرى (199)، حيث تقوم المشربية بتحقيق وظيفتين متعارضتين ، فهي تقوم تحقيق ، الخصوصية الكاملة لأهل المنزل, وفي الوقت نفسه تربط الداخل بالخارج عن طريق رؤية المنظر الخارجي باستثناء إعاقة بسيطة من دون فقدان عامل الخلوة الذي يعطي الساكن شعورا بالاطمئنان (200). وبالنظر إلى الوظائف المهمة التي تؤديها المشربيات فقد انتشرت في معظم البلاد العربية والإسلامية ، فظهرت في اليمن لأول مرة خلال فترات الحكم العثماني وعرفت باسم " الشبابيك التركية "، وتعد مدينة صنعاء القديمة ومدينة " زمار" القديمة من أغنى المدن اليمنية بالمشربيات ، وهي تظهر فيها على واجهات المباني بأشكال عديدة ومتنوعة ، ولا يزال باقيا منها أمثلة عديدة حتى اليوم (201)، كما شاع استحدام المشربيات في عمارة المساكن بالمملكة العربية السعودية بمدينة جدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف ، وتعرف في السعودية باسم " الروشن "، وهو يختلف في تكوينه وفي بعض تفاصيله عن المشربية المصرية (202) , (203). 7- أساليب الإضاءة الطبيعية : المناخ في أكثر البلاد الإسلامية يميل إلى الحرارة ، وشمس هذه المناطق قوية ونورها ساطع يكاد يأخذ بالأبصار، فعلى سبيل المثال فإن شدة الإضاءة تحت سماء مصر عند الظهيرة في الأيام المشمسة تصل لحوالي 3500 شمعة/قدم بينما تنخفض هذه القيمة إلى أقل من 1000شمعة/قدم عندما تتلبد السماء بالغيوم (204). لقد كان على المباني في العالم الإسلامي أن تتكيف مع ظروف المناخ السائد, لذلك فقد اعتمد أغلبها على تلقف النور من صحن مكشوف بوساطة الأبواب المتعددة الواسعة المفتوحة المصاريع عليه طوال فصل الصيف الطويل (205)، وفي حال إغلاقها يبقى للضوء منفذ من المنور المقوس الجميل الملون الزجاج (القمرية) والذي يعلو أكثر الأبواب حتى الخارجية منها (206). واعتمدت العمارة الإسلامية في الحصول على الإضاءة الطبيعية على الضوء المنعكس من قبة السماء، لا على الإضاءة المباشرة من الشمس لما تسببه من مشكلة الزغللة (207)، لذلك استخدمت الكوات العالية أو الشخشيخة التي ترتفع عن السطح العلوي للمبنى وتكون مربعة أو مثمنة ، مسطحة أو مهرمة أوعلى هيئة قبة صغيرة تغطي الدرقاعة التي تتوسط القاعة, ويتم وضع نوافذ على محيط رقبتها على هيئة نوافذ خشبية وغالبا ما تكون مغطاة بسلك لمنع دخول الحشرات والطيور (208). كما لجأ المعماري المسلم الى استعمال " المضاوي "، واحدتها مضوى، وهي فتحة صغيرة في أعلى الجدار أو السقف تسد " ببلاطة " من زجاج أو بقعر قنينة ويلجأ إليها في قباب الحمامات لغرض الإضاءة دون التهوية (209)، كما تطلق مضوي على الفتحة المزججة الموجودة في النوافذ الجصية (الشمسية أو القمرية). وفي دراسة ميدانية على قاعات بعض المنازل المملوكية والعثمانية بالقاهرة (210)، توصلت الدراسات عن طريق القياسات باستخدام الأجهزة الحديثة إلى أن نسبة المساحة الفعالة المنفذة للضوء الطبيعي إلى مساحة أرضية القاعة تتراوح ما بين ا ا و32% كحد أقصى، و14.38% كحد أدنى وبمتوسط 20.80%، وأن استخدام الخرط الخشبي الضيق في الأجزاء السفلية من المشربيات كان له دور كبير في تجنب أشعة الشمس المباشرة وما ينتج عنها من سطوع باهر وتزايد في درجات الحرارة . كما أشارت الدراسة إلى أن قاعة منزل السناري (بني عام 1794م) تعتبر مثالا نموذجيا للتوزيع الجيد للإضاءة ، حيث إن المساحة الفعالة المنفذة للضوء إلى مساحة أرضية القاعة تساوي 20.67% وهو رقم جيد، أما بالنسبة إلى مستوى شدة الاستضاءة الذي تم قياسه فيعتبر مرضيا بموجب ما تتطلبه القواعد المصطلح عليها حاليا . وكي لا يضحي المعماري المسلم بالشكل العام والتخطيط المألوف قام بلعبة ذكية لحل مشكلة الإنارة في المناطق الباردة التي يضطر فيها إلى تسقيف الصحن المكشوف عادة ، خاصة في المباني العامة كالمساجد والخانات والحمامات والمدارس ، فجعل الأسقف مختلفة المستويات والأشكال فكانت مقببة ومسطحة ومنحدرة وفتح النوافذ في أعلى جدران القاعات الأكثر ارتفاعا أو في رقاب القباب (211)، كما هي الحال في المدرسة الجقمقية بدمشق (متحف الخط العربي حاليا) ومناور مسجد قرطبة (212). 8- استخدام العناصر الطبيعية : نجح المعماري المسلم في استخدام عنصري الماء والنباتات لإضفاء سمة من الجمال على المباني السكنية والعامة ، بالإضافة إلى الدور الذي تؤديه في تلطيف درجة حرارة الجو وزيادة نسبة الرطوبة بها، وهي إحدى المعالجات الأساسية في البلاد الحارة الجافة ، وقد استعمل الماء بصور متنوعة من أجل زيادة رطوبة الجو، ومن أهم العناصر التي استخدم الماء فيها النافورة والفسقية والسلسبيل . فالنافورة عبارة عن أنبوب ضيق من نحاس أو رصاص يتوسط عموديا بركة أو فسقية ويتصل بخزان ماء، مما يجعل الماء يندفع قويا من النافورة ويعلو بعيدا عن مستواه في الحوض ويعود متساقطا فيه لينتهي في مجارير خاصة (213). أما الفسقية (جمعها فساقي) فهي عبارة عن حوض صغير تتوسطه نافورة وقد يقام في منتصف بركة أخرى تتلقى ماءها منها، وربما تعددت الفساقى في البركة الواحدة موزعة في أرجائها أو مركبة بعضها فوق بعض وتتدرج في الصغر كلما ارتفعت وينتهي أعلاها بنافورة تتوسطها (214). أما السبيل (الشاذروان ) فقد أطلق على جهاز التكييف المائي المستعمل في البيوت الأندلسية والشامية والمصرية في عهدي المماليك والعثمانيين ، وهو لوح من رخام يحتل صدر الإيوان مائلا ما بين 15 و30 درجة ، يزخرف وتحفر فيه قناة واحدة أو أكثر دقيقة قليلة العمق تتعرج كالموج أو مع الزخارف التي تغطي السطح كله ، ويجرى الماء من أعلى خفيفا وبطيئا ومن خلال عملية التبخر وازدياد مسافة الاحتكاك مع الهواء تهبط الحرارة في المكان وتنخفض نسبة الجفاف ، وينصرف الماء بعد مسيرته الطويلة إلى حوض أو مجرى أو بالوعة (215). لقد أفادت العديد من الدراسات العملية والمعملية بأن استخدام النوافير في فراغات مقفلة أو مفتوحة له آثار قوية في تحسين البيئة المناخية للمناطق ذات الطقس الحار، وهو ما يعتبره العديد من الخبراء أحد اتجاهات المعالجة البيئية المهمة والمفيدة في المجتمعات العربية والإسلامية ذات الطقس الحار (216). أما النباتات والخضرة فقد استعملت في المباني بأسلوبين أساسيين (217): كحديقة في الصحن الداخلي للمنازل أو على أسطح البيوت في عمل حدائق السطح ، فالحديقة في صحن المنزل كانت تؤدي وظيفة مناخية مهمة في التظليل وترطيب وخفض درجة حرارة الجو، أما حديقة السطح فإلى جانب استعمالها كمكان للجلوس صيفا فقد حققت عزلا حراريا لأسطح البيوت حيث ثبت أنها من أنجح طرق العزل الحراري للأسطح (218). ونظرا لأهمية استخدام العناصر الطبيعية في صورها المختلفة فقد تم تناول هذا الموضوع بالتفصيل في الفصل الخاص بتصميم الحدائق الإسلامية (نظر الفصل السادس). 9- معالجة الضوضاء ساهم استخدام بعض المعالجات المناخية والعناصر المعمارية السابقة كالحوائط السميكة والأفنية الداخلية وحدائق السطح والفتحات الخارجية الضيقة ( و النهايات المقفولة للشوارع ) في تحقيق عزل جيد للمباني الإسلامية عن الضوضاء الخارجية (219)، وسواء كان ذلك مقصودا أو غير مقصود إلا أن من المؤكد أن المصمم المسلم كان حريصا على منع خروج الأصوات من داخل البيت إلى خارجه بدافع توفير عنصر الخصوصية لساكنيه ، كما كان الاهتمام بمنع انتقال الأصوات من الشوارع الخارجية إلى داخل المسكن توفيرا للهدوء والسكينة . فقد أوضحت دراسة ميدانية على ثلاثة بيوت إسلامية بالقاهرة تم فيها قياس مدى تأثير الضوضاء بالشوارع المجاورة لها على فراغات مختلفة داخل هذه المنازل ، واستعمل جهاز لقياس مستوى الصوت وكانت النتائج كما يلي (220): المنزل الأول (بيت السحيمي): وجد أن مستوى الضوضاء بالشارع حوالي 68 ديسيبل ، ومستوى الضوضاء بصالة الاستقبال (وظيفة مهمة) 36 ديسيبل ، أي أن مستوى الضوضاء بصالة الاستقبال تقريبا نصف مستوى الضوضاء بالشارع المجاور. المنزل الثاني (بيت الكريدلية): مستوى الضوضاء بالشارع 56 ديسيبل ، في حين أن مستوى الضوضاء بصالة الحريم 38 ديسيبل ، ومستوى الضوضاء بالفناء الداخلي 42 ديسيبل . المنزل الثالث (بيت المسافر خانة): وجد أن صالة استقبال الرجال تقل في مستوى الضوضاء عن الشارع بحوالي 38 ديسيبل . ومن النتائج السابقة يتضح أن هذه المنازل الإسلامية القديمة قد صممت على أساس معرفة جيدة بالصوتيات ، ويظهر ذلك في أسلوب ترتيب الغرف بالمسقط الأفقي، حسب تأثرها بالضوضاء (ومصدرها الأساسي الشوارع الخارجية)، إلى جانب استخدام الحوائط السميكة من الحجرمع استخدام الأفنية الداخلية والتي تتسم بالهدوء أيضا لأنها مفصولة عن الشوارع المجاورة بغرف المبنى المحيطة بها مثلما هي مفصولة عن أفنية المباني الأخرى المجاورة لها. عمارة المساجد ...رؤى بيئية : المساجد بيوت الله في الأرض ، والمسجد في صورته البسيطة ما هو إلا مساحة من الأرض صغيرة أو كبيرة تنظف وتسوى وتطهر، ثم يتم فيها تعيين اتجاه القبلة وتخصص للصلاة ، وقد تسور هذه المساحة أو لا تسور، وقد تفرش بالحصى أو الحصر النظيفة أو البسط الغالية ، وقد تقام فوقها مبان ضخمة ذات جدران وسقوف وقباب ومآذن وقد لا يقام من ذلك شيء، فلا يغير ذلك من الأمر شيئا ويظل المسجد البسيط العادي مكانا مقدسا واضح الشخصية ، لا يقل في هيبته أو مكانته عن أضخم المساجد (1). وقد كان المسجد المبنى الرئيسي في أي مدينة إسلامية منذ هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة وإنشائه مسجد قباء ثم المسجد النبوي كأول مبنى إسلامي خالص في العمارة الإسلامية ، ومن ثم فقد سار العرب الفاتحون على النهج نفسه ، حيث كانت المساجد أول ما يبني بعد الفتح أو عند إنشاء المدن الإسلامية الجديدة ، ومن هنا اعتبر الدارسون والمؤرخون أن المسجد هو أحد أهم الأسس إن لم يكن أولها في تخطيط المدينة الإسلامية (2). أولاً: الوحدة والتنوع في عمارة المساجد: سبق أن أشرنا إلى أن الطرز والمباني الإسلامية التي انتشرت في العالم الإسلامي قد تنوعت في أشكالها وعناصرها المعمارية ، لكن العامل الديني قد وحد مضمونها وجوهرها، والمسجد كأحد أهم المباني في العمارة الإسلامية يعبر تعبيرا صادقا ومباشرا عن مفهوم الوحدة والتنوع في هذا الشأن . ومع التسليم بأن تصميم المساجد في صورتها العامة واحد لم يتغير منذ عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وحتى الآن ، وهو ما يمكن الإشارة إليه بمصطلح "الوحدة في التصميم" فإنه يمكن أن يلاحظ "التنوع" في تصميم وعناصر المسجد في إطار هذه الوحدة نتيجة للبناء في بيئات متعددة ومختلفة ، فتنوعت طرز المساجد ما بين طولونية أو فاطمية أو مغربية أو سلجوقية (في إيران وتركستان والعراق ) أو مملوكية (في مصر والشام ) أو هندية مغولية (في الهند وأفغانستان ) أو صفوية ( في إيران وخراسان ) أو تركية عثمانية (في آسيا الصغرى والبلقان وشرق أوروبا ومصر والحجاز والشام )، وعلى الرغم من ذلك فإن التصميم في جميع المساجد واحد لا يتغير، فهذا هو الاختلاف أو التمايز في الوحدة ، أو الوحدة التي تجمع الاختلاف والتمايز، وهي خاصية من أهم خواص العمارة الإسلامية (3). إذن فالمسجد، كمبنى، له خصوصية دينية ووظيفة تعبدية أدت إلى توحد برنامجه وعناصره المعمارية ، بمعنى أنه لا يمكن أن تختلف من بلد إلى آخر، وان كان هذا لا يمنع من تنوعها في الشكل الخارجي أو التصميم الهندسي أو اختلاف مادة وأسلوب البناء من بيئة إلى أخرى ومن طراز إلى آخر، وهو ما يدفعنا في البداية إلى محاولة التعرف على أهم عناصر المسجد المعمارية الأساسية ، التي تساعد على تأدية المسجد لوظيفته كمكان للعبادة والتعبد، ولاشك في أن أول نموذج معماري جمع كل العناصر الأساسية للمسجد هو النموذج النبوي التراثي الذي يتكون من أربعة عناصر رئيسية (ثوابت) أضيف إليها فيما بعد عنصران مستجدان (متغيرات) (4). والعناصر الأربعة الأساسية (الثوابت) للمسجد هي: 1-جدار القبلة : وهو الجدار الرئيسي في بيت الصلاة المتجه نحو مكة المكرمة ، وفي جزء ما من ذلك الجدار (في منتصفه غالبا) توضع علامة للموضع الذي يقف أمامه الإمام ، هذه العلامة في أول الأمر كانت حربة تغرز في الأرض (5)، وقد ترسم على هيئة باب على الجدار أو على شكل عقد، وقد يكون محرابا مجوفا على شكل حنية داخلية ، وقد تتعدد المحاريب في المسجد الواحد. واذا كان التوجه للقبلة هو أحد أهم الثوابت الخاصة بعمارة المساجد مصداقا لقول الله سبحانه وتعالى: " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " (من الآية 144 - البقرة)، فعلى ذلك يمكن أن نتخيل أن كل مسجد في شتى أنحاء المعمورة يعتل نقطة على محيط دائرة مركزها الكعبة ، وتبعا لذلك تكون أهم عناصر أي مسجد جدار القبلة ، وبالتالي يصبح توجيه المسجد من الوجهة التجريدية هو المحدد لشخصية المسجد، وليس مجرد عناصره الأخرى المختلفة . والتوجه للقبلة كثابت أساسي له تأثير مباشر في اختيار شكل المسقط الأفقي للمساجد، وفي مقدمتها المسجد الحرام بمكة المكرمة ، فالكعبة المكرمة هي قبلة أهل المسجد، وذلك لأن استقبال عين الكعبة - لا جهتها - شرط لصحة الصلاة داخل المسجد الحرام وذلك لمن يراها (6)، ومن هنا نجد أن الشكل الدائري أو المثمن ، بحيث تكون الكعبة المكرمة في مركزهذا الشكل ، هو الشكل الأمثل للمسقط الأفقي للمسجد الحرام ، حيث يتيح للمصلين استقبال عين الكعبة بسهولة ويسر، كما أن الشكل الدائري أو المثمن يتناسب مع حركة الطائفين في دوائر متتالية حول الكعبة فالشكل الدائري أو المثمن ينبع من مضمون الوظيفة الرئيسية للمسجد الحرام ، سواء كان ذلك في الصلاة أو الطواف ، وهي خاصية وشكل يجب أن يتميز بهما شكل المسقط الأفقي للمسجد دون سائر مساجد الأرض (7). أما بالنسبة إلى المساجد الأخرى - حتى ما كان منها داخل مكة _ فإن اتجاه صفوف المصلين فيها يكون موازيا لحائط القبلة الذي يتعامد بدوره مع جهة مكة المكرمة حيث المسجد الحرام ، لذلك فإن المسقط الأفقي المستطيل ، حيث حائط القبلة يمثله الضلع الأكبر لهذا المستطيل ، هو أنسب المساقط للمسجد في أي بقعة من بقاع الأرض (8), خاصة أنه يتيح استطالة الصفوف الأولى للمصلين وهو ما يتوافق مع ما ورد في السنة النبوية المطهرة من أفضلية الصفوف الأولى عن التي تليها في الثواب (9). مما سبق يتضح تأثير التوجه للقبلة في التصميم المعماري للمساجد ، أما بالنسبة إلى تأثير هذا التوجه في التشكيل والبيئة العمرانية فسيتم توضيحه في موضع آخر من هذا الفصل (انظر التأثيرات المتبادلة بين المسجد والبيئة العمرانية ). 2- الصحن المكشوف : وهو العنصر الثاني الذي ميز النموذج النبوي، وقد يكون هذا الصحن مبلطا أو به فسقية أو حوض ماء ، أو قد تزرع فيه أشجار النارنج أو البرتقال لتعطي ظلا ولتعطر الجو (كما في مساجد الأندلس )، وقد تزرع أجزاء منه في أحواض أزهار يختلط بها الريحان (كما في تركيا وايران ) لأهمية الدور الذي يقوم به الصحن المكشوف في المسجد كمصدر أساسي لتهوية واضاءة الأروقة أو الأواوين التي تحيط به فقد أوضحنا ذلك في موضح آخر من هذا الفصل (انظر المؤثرات المناخية على عمارة المسجد). 3- الأروقة المسقوفة : يحيط بالصحن من جانب واحد أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة جوانب أروقة مسقوفة أكبرها وأهمها رواق الصلاة (أو القبلة) في اتجاه القبلة ، وتختلف طرق التسقيف حسب الزمان والمكان والطراز. 4- المنبر: وقد يكون مجرد منصة من درجة أو درجتين أو ثلاث ، أو منصة عالية ذات درج كثير وباب خشبي، وقد يتخذ أشكالا أخرى كشرفة مطلة على قاعة الصلاة يدخل إليها الخطيب من خلف المحراب (10). أما بالنسبة إلى العنصرين اللذين أضيفا فيما بعد إلى المسجد فهما المئذنة والميضأة ، فالمئذنة لم تكن جزءا رئيسيا في المسجد ؛ وأقدم ما وصلنا عن بناء المآذن في الأمصار ما ورد عن البلاذري من أن زياد بن أبيه (عامل معاوية بالعراق ) بنى منارة من الحجر لجامع البصرة سنة 45هـ- 672م عندما أعاد بناء الجامع الأول بالأحجار (11)، فكانت أولى مآذن أضيفت إلى المسجد في الإسلام ، ثم تنوعت بعد ذلك أشكال المآذن وتغيرت مواقعها وأعدادها بالنسبة إلى المسجد، أما الميضأة فلم تكن أيضا جزءا أساسيا من المسجد فقد كان المسلمون أيام الرسول عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين يذهبون إلى المسجد متوضئين (12)، وإنما أضيفت فيما بعد (13). إن صفة الوحدة التي تنبع من وحدة البرنامج المعماري للمسجد، الذي ينعكس على عناصره الأساسية ، عبر عنها المفكر الفرنسي " روجيه جارودي " في قوله (14): " أنا شخصيا حينما أرى روائع الفن الإسلامي أشعر بأن رجلا واحدا قد قام ببنائها مدفوعا بإيمانه بإله واحد ... من الجامع الكبير في قرطبة إلى فسيفساء المساجد في تلمسان ، ومن جامع ابن طولون في القاهرة إلى مساجد استانبول الفخمة ...". وعلى الرغم من الوحدة في التصميم التي أشرنا إليها فإنه لا يمكن إغفال ما نراه من " التنوع " في تصميم المساجد وكذلك في عناصرها المعمارية المختلفة ، ومن أجل التعرف على الأنواع والأساليب التصميمية التي اتبعت في تصميم المساجد فإنه يتم تقسيم المساجد على أساس نوعية التصميم ، والعناصر الوظيفية التي يحتويها، وطرق ومواد البناء، وأسلوب التسقيف إلى النماذج التالية (15) , (16): ا- النموذج النبوي على غرار مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام (في صورته النهائية ) بعد زيادة الوليد بن عبد الملك ، وهو عبارة عن صحن مفتوح للسماء تحيما به أربعة أروقة أكبرها رواق القبلة ، وكل رواق مكون من بلاطات موازية لحائط القبلة تفصلها صفوف من البائكات تحملها أعمدة ، والسقف من الخشب ، والمداخل كثيرة ومتعددة من كل الجوانب ما عدا حائط القبلة ، وله أربع مآذن في الأركان أضيفت في عهد الوليد، والصورة العامة للفراغ الداخلي للأروقة أنه غابة رتيبة من الأعمدة تحمل بائكات متتالية ، لذلك أطلق البعض على هذا النموذج مسمى " المسجد ذو الصحن المركزي " مع أروقة ترتكز على صفوف من الأعمدة . ومن أمثلة المساجد التي جاءت على تصميم النموذج النبوي نفسه مسجد البصرة , الذي يعد أول مسجد أنشيء في العهد الإسلامي خارج شبه جزيرة العرب في بداية العصر الأموي (17)، وقد ساد هذا الطراز لعدة قرون خاصة في العراق , كما في مسجد الكوفة ، الذي كان يتألف أيضا من مصلى ومجنبتين ومؤخرة تطل جميعها على صحن يتوسط البناء (18). 2- النموذج ذو المجاز القاطع على غرار النموذج النبوي إلا أن رواق القبلة يقطعه مجاز قاطع عمودي عليه في وسطه وفي محور القبلة ، ويعلو سقفه عن رواق القبلة لإمكان إنارة المجاز بشبابيك علوية من فرق المنسوب بين السقفين ، وأحيانا تضاف قبة فى وسط المجاز أو في نهايته للتأكيد على بلاطة المحراب ومكان القبلة مع إنارتها طبيعيا، وسقف المجاز قد يكون مائلا ومكونا من جمالونات خشبية مغطاة بألواح الرصاص كما في المسجد الأموي بدمشق ، أو مغطى بالقرميد كما في بعض مساجد الأندلس ، وقد يكون السقف أفقيا كما في الجامع الأزهر ومسجد الحاكم بمصر. وقد تطور هذا التصميم إلى جعل البلاطات عمودية على حائط القبلة مع وجود المجاز القاطع كما في المسجد الأقصى بالقدس (19)، ويلاحظ أن رواق القبلة كان أحيانا يقفل من ناحية الصحن بأبواب أو حوائط لأسباب مناخية . 3- النموذج ذو الأكتاف البنائية على غرار النموذج النبوي ولكن الأعمدة اختفت نهائيا من الأروقة وحل بدلا منها أكتاف بنائية من الطوب أو الحجر، تحمل السقف مباشرة كما في جامع سامراء الكبير وأبي دلف بالعراق (20)، أو تحمل عقودا موازية للحوائط كما في جامع ابن طولون في مصر (21)، ومثل هذه المساجد يكون لها مئذنة وحيدة خارج المسجد منفصلة عنه كالملوية في مسجد سامراء، وكمئذنة ابن طولون الحلزونية ذات الدرج الخارجي. وعلى ذلك يمكن اعتبار أن كلا من النموذج ذي المجاز القاطع أو النموذج ذي الأكتاف البنائية ما هو إلا مجرد تعديلات بشكل أو بآخر على النموذج النبوي الذي يعد النموذج الأساسي والأصلي لعمارة وتصميم المساجد . 4- المساجد المعلقة وهنا يكون المسجد في دور علوي يصل إليه المصلون مباشرة عن طريق سلم خارجي بينما يخصص الدور الأرضي لمرافق أخرى تجارية تستغل إيراداتها للإنفاق على المسجد، أو أن يستغل الدور الأرضي لمرافق أخرى لخدمة أغراض المسجد . وأول مسجد معلق ظهر في العمارة الإسلامية كان مسجد الصالح طلائع في آخر العصر الفاطمي، وفيه الدور الأول عبارة عن دكاكين بدائر المبنى تحت الأروقة ، أما القلب الداخلي تحت الصحن فمستغل كخزان أرضي للمياه على نمط خزانات المياه الأرضية الرومانية ، ويمكن الحصول على الماء من فتحات في أرضية صحن المسجد العلوي، وتكررت فكرة المساجد المعلقة في العصر المملوكي، ولها أمثلة بالعصر الحديث كمسجد جامعة الخرطوم (22). 5- النموذج ذو الإيوانان في هذا النموذج اختفت تماما الأروقة ذات الأعمدة والبائكات ، حيث يتكون التصميم من فناء مستطيل أو مربع مفتوح للسماء تحيط به من جانبين أو ثلاثة أو أربعة جوانب إيوانات مفتوحة على الصحن أكبرها إيوان القبلة ، وكل إيوان مغطى بقبو أو بنصف قبة محمولة على مثلثات أو حنايا ركنية أو مقرنصات ، وغالبا ما يكون الصحن في وسطه ميضأة للوضوء أو فسقية أو حوض مياه, والمدخل يكون عادة منكسرا مرة واحدة أو عدة مرات ، وهذا النموذج انتشر في إيران وبخارى وسمرقند، ودخل مصر في أواخر العصر الأيوبي، وانتشر استعماله في العصر المملوكي. وقد تطور عن هذا النموذج ما عرف باسم الجامع - المدرسة حيث أضيفت مدارس في الأركان بين الإيوانات ، وبدأ التصميم بإيوانين ومدرستين فقط لتدريس المذهبين المالكي والحنفي، ثم ما لبث أن تطور التصميم حتى بلغ أوجه في جامع ومدرسة السلطان حسن ، مشتملا على صحن مربع مفتوح للسماء تحيط به أربعة إيوانات مغطاة بأقبية مدببة أكبرها إيوان القبلة ، وكل إيوان مخصص لتدريس أحد المذاهب السنية الأربعة وفي الأركان توجد المدارس الأربع ؛ كل مدرسة مصممة حول فناء خاص بها وتوجد غرف التدريس بالدور الأرضي أما الأدوار العلوية فمخصصة لسكنى الطلاب (24). 6- النموذج ذو القبة المسيطرة وقد ظهر هذا النموذج في العمارة أو الطراز العثماني، وفكرة التصميم لا تخرج عن النموذج النبوي حيث يوجد صحن مستطيل مفتوح للسماء محاط بأربعة أروقة من الجهات الأربع إلا أن عرض الأروقة من ثلاث جهات اختصر إلى بلاطة واحدة غطيت بقباب صغيرة على مربعات ، أما رواق القبلة فقد أصبح فراغا كبيرا مغطى بقبة كبيرة عالية فى الوسط ترتكز بواسطة أربعة مثلثات كروية كبيرة على أربع دعائم ضخمة ، وتساند هذه القبة مجموعة من أنصاف القباب والقباب الأصغر، وقد أخذت فكرة التغطية هذه من كنيسة أيا صوفيا(التي تم تحويلها إلى جامع)، إلا أن المهندس المسلم " سنان " وتلاميذه (خاصة محمد آغا) قد طوروا الفراغ الداخلي الرائع في اتجاهين بدلا من اتجاه واحد حتى أوصلوها إلى درجة من النضج نجدها في جامع السليمانية وجامع السلطان أحمد (الجامع الأزرق) في تركيا (25). وعادة ما تستعمل مع هذا الطراز المآذن الرفيعة الرشيقة التي تنتهي من أعلاها بمخروط على شكل سن القلم الرصاص ، فأساس الفكرة المعمارية في هذا الطراز هو تحويل رواق القبلة إلى فراغ كبير واحد مسيطر بدون أي عوائق بصرية ، وواضح أن استخدام القباب الكبيرة كان هو الوسيلة لتحقيق ذلك الهدف . ولتمسك العثمانيين بالقبة دوافع ثقافية وجغرافية ، فالدافع الثقافي يرجع إلى احتكاك الأتراك بالحضارة البيزنطية ، التي اشتهرت باستخدام القباب خاصة الحجرية في تغطية المباني، أما الدافع الجغرافي فيرجع إلى انتشار سقوط الأمطار في تركيا والأناضول ، حيث لا تسمح القباب بتراكم المياه على أسطح المساجد مما يؤثر في المبنى (26). واذا كانت المساجد قد تنوع أسلوب تصميمها من منطقة إلى أخرى ومن طراز إلى آخر فقد امتد هذا التنوع أيضا إلى جميع عناصر المسجد المعمارية والزخرفية ، التي اكتسبت خصوصيتها من الروح الإسلامية المبدعة في كل بلد دخله الإسلام ، وفيما يلي عرض موجز لأهم العناصر المعمارية بالمساجد في محاولة للتعرف على جوانب التنوع فيها : 1- المحاريب والمنابر العلاقة بين المحراب والمنبر في المساجد علاقة وثيقة ومترابطة ، فقد ذكر الزركشي استحباب أن يكون المنبر على يسار المحراب تلقاء يمين المصلى إذا استقبل القبلة ، والمحراب هو الحنية أو التجويف في جدار القبلة ، ويرجح أن أول استعمال للمحاريب المجوفة كان على عهد عمر بن عبد العزيز (عام ا9 هجرية) عند تجديد عمارة المسجد النبوي أيام ولايته على المدينة المنورة (27). والمحاريب نوعان : مسطحة أو مجوفة ، ومن أمثلة المحاريب المسطحة محراب قبة الصخرة المسطح في المغارة تحت الأرض ، أما المحاريب المجوفة فمنها ما هو ذو تجويف نصف دائري ومن أقدم أمثلته في مصر محراب جامع ابن طولون ، ومنها ما هو ذو تجويف قائم الزوايا، ومنها محاريب مجوفة كثيرة الأضلاع (28). ولقد تنوعت المواد المستعملة في بناء المحاريب فاستخدم الحجر والرخام والخزف والفسيفساء والخشب وغير ذلك من المواد لتنفيذ العناصر الزخرفية لهذه المحاريب ، ومن المحاريب الخشبية ما هو ثابت في جدار القبلة كالمحراب الخشبي الذي كان يغطي واجهة محراب جوهر الصقلي، ومن المحاريب الخشبية ما هو متنقل كمحراب مسجد السيدة رقية من العصر الفاطمي ايضا، وموجود الآن في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة (29). ويمكن أن تتعدد المحاريب في جدار قبلة بعض المساجد، ويرجع البعض سبب ذلك إلى أنه يكون تأكيدا لاتجاه القبلة ، أو أن كل محراب يكون مخصصا لمذهب من المذاهب الأربعة المعروفة أو ربما كان ذلك للزينة (30). ولقد اختلفت آراء العلماء ما بين مؤيد ومعارض لوجود المحراب المجوف في المساجد (31)، وعلى الرغم من هذا الاختلاف فإن المحراب كعنصر معماري مميز لعمارة المسجد يظل كأحد العناصر المعمارية والزخرفية البارزة في تاريخ العمارة والفن الإسلامي. أما كلمة " المنبر " فقد اشتقت من " نبر " وانتبر الشيء بمعنى ارتفع ، فالمنبر هو مرتفعة تتسع لوقوف وجلوس الخطيب ويستخدم أيام الجمعة والأعياد أو المناسبات (32). وقد تطور شكل المنبر بحيث أصبح عبارة عن جانبين على شكل مثلث جهتي الدرج الصاعد إلى أعلى المنبر حيث الجلسة المعدة للخطيب ، وقد يكون المنبر متحركا خاصة في مساجد المغرب (33)، حيث يتم حفظه في غرفة تقع خلف حائط القبلة كي لا يعترض صفوف المصلين في الأوقات التي لا يستخدم فيها. والمنابر من حيث مادة إنشائها منها المنابر الخشبية والرخامية والحجرية , فالمنابر الخشبية تتكون كل أجزائها من الخشب : وأقدم منبر خشبي في العالم العربي هو منبر جامع القيروان ، أما المنابر الرخامية فهي التي بنيت وكسيت بالرخام وأقدم ما عرف منها في مصر وجدت بعض أجزائه في مسجد الخطيري وهي محفوظة في المتحف الإسلامي , ومن أمثلته المشهورة أيضا منبر مدرسة السلطان حسن وكلاهما من العصر المملوكي البحري , أما بالنسبة إلى المنابر الحجرية فمن أمثلتها في مصر ما يوجد في خانقاه فرج برقوق والآخر في مسجد شيخون ويماثلان في زخرفتهما المنابر الخشبية (34). 2- المآذن والقباب الأذان لغة هو الإعلام ويستعمل كحقيقة عرفية في النداء للصلاة أو الإعلام للحج ، والمآذن والمنارات اسمان للمكان الذي يتم منه الإعلام بدخول وقت الصلاة وقد استعمل الاسمان في المشرق الإسلامي، وقد أطلق لفظ المنارة على المآذن ، حيث كانت تضاء بالأنوار عند الغروب في رمضان وتظل مضاءة حتى طلوع الفجر، ثم تطفأ إيذانا ببدء يوم جديد من أيام الصيام (35). أما في بلاد الغرب الإسلامي (المغرب العربي والأندلس ) فيطلق على المآذن لفظ الصوامع (36)، ويرجع ذلك إلى أن أغلب مآذن المغرب الإسلامي ذات شكل مربع وهو يشبه أبراج الصوامع ، أما أقدم مئذنة في العالم الإسلامي - ما زالت محتفظة بشكلها الأول على الرغم من التعديلات التي طرأت عليها - فقد أقامها عقبة بن نافع ما بين 50 و55 هجرية بمسجد القيروان (37)، وهي تعد نموذجا لمآذن مساجد المغرب العربي والأندلس . وقد كانت المآذن التي ظهرت في العصور المبكرة للإسلام (العصر الأموي) مربعة الشكل على نمط أبراج الكنائس السورية (38)، أما في العراق وبلاد فارس فقد أخذت المآذن شكلا أسطوانيا وأحيانا ملويا يدور السلم من خارج بدنها، كما في مسجدي سامراء وأبي دلف بالعراق ، وقد اقتبس أحمد بن طولون نفس فكرة ملوية مسجد سامراء حين بنى مئذنة مسجده المعروف بالقاهرة التي تعد أقدم مآذن القاهرة من حيث احتفاظها بشكلها الأول (39). ولقد تطور شكل المآذن بمصر، خاصة في العصر المملوكي، حيث أصبحت تبدأ بقاعدة مربعة يعلوها قسم مثمن ثم قسم دائري منتهية برأس أو رأسين أحيانا يعلوهما مبخرة أو الجوسق ، أما المآذن التركية العثمانية فلقد امتازت بالجمال والرشاقة مع استقامتها ونهايتها المخروطية على شكل قلم الرصاص المبري، ولقد شيدت على مثالها مئذنة جامع محمد علي بالقاهرة (40)، وغيرها من المآذن التي تختال مرتفعة في بلاد المسلمين . ولا يوجد مكان محدد لموقع المئذنة من المسجد فقد تكون جزءا من المبنى نفسه كما هي الحال في دمشق والقيروان وقرطبة ، وقد تكون قائمة بذاتها على مقربة من المسجد كما هي الحال في جامع سامراء وابن طولون (41). أما القبة فهي بناء دائري المسقط مقعر من الداخل مقبب من الخارج ، والقبة هي أحد الأشكال الخاصة التي استخدمت في تغطية أسقف كثيرمن المباني على مر العصور فيرجح أن القباب الأولى نشأت في بلاد ما بين النهرين والشرق الأدنى كما أن العمارة الرومانية والبيزنطية عرفت القباب واستعملتها في المباني (42). إن استخدام القباب في العمارة الإسلامية له رؤية خاصة ، فهي لم تكن حلا بيئيا ومناخيا أو إنشائيا ووظيفيا فقط بل أيضا رمزيا ، حيث ترمز إلى السماء خاصة في المناطق المسقوفة من المسجد، حيث يعدها البعض صورة مصغرة لما كان يراه العربي في صحرائه من اتساع الأفق واستدارة السماء من فوقه ، لذلك فلقد جاء استعمال القباب في العمارة الإسلامية بأسلوب فريد ومميز عما سبقها من قباب الحضارات السابقة (43). وتعد قبة الصخرة ببيت المقدس التي شيدت عام 12 هجرية أقدم مثال للقبة في تاريخ العمارة الإسلامية (44)، أما أول استخدام حقيقي للقبة في المسجد فكان أمام وأعلى المحاريب تأكيدا على مكانتها وأهميتها ، كما في المسجد الأموي بدمشق (132 –133 هجرية)، والمسجد الأقصى بالقدس (163 هجرية)، وفي مسجد سوسة (263 هجرية)، وغيرها من المساجد (45), كما اشتهر استخدام القباب في تغطية المشاهد والأضرحة وان كانت السنة النبوية الصحيحة قد نهت عن البناء على القبور وتغطيتها (46). ولقد تنوعت أشكال القباب وزخارفها فكان منها الشكل الكروي والبيضاوي والبصلي والهرمي والمضلع ، ومن أشهرها وأجملها زخرفة خارجية قبتا ضريحي قايتباي وبرسباي (47), كما استخدمت عدة أساليب إنشائية للانتقال من المسقط المربع مسقط دائري يحمل القبة حيث استخدمت المحاريب الركنية أو المثلثات الكروية أو المقرنصات أو باستخدام المحاريب الركنية والمقرنصات معا (48). وجدير بالذكر هنا أن نشير إلى أن استخدام القبة في العمارة الإسلامية لم يقتصر فقط على المساجد أو المباني الدينية فقط، فقد استخدمت القباب في بعض الاستراحات والقصور كقصير عمرا بالأردن وقصر الأخيضر بالعراق ، وفي العصر الفاطمي شوهدت القباب في مداخل أسوار القاهرة ، وفي العصر الأيوبي جاء استخدامها في تغطية الأبراج الدفاعية ، حيث كان يعلو برج الظفر قبة حجرية (49). 3- الأعمدة والعقود العمود هو ما يدعم به السقف أو الجدار، ولقد أخذ تسميات عدة : فهو عمود في المشرق ، وسارية في المغرب ، وشمعة في لبنان ، وأسطوان أو أسطوإنة على لسان بعض الكتاب (50). وفي العصور الإسلامية المبكرة استعملت جذوع النخيل كأعمدة ، كما في المسجد النبوي، وبعد ذلك لجأ المسلمون إلى استعمال الأعمدة اليونانية والرومانية والبيزنطية المجلوبة من المباني السابقة ، ثم ما لبث أن اعتمدت العمارة الإسلامية على أعمدة ذات تصميمات نابعة من الفن الإسلامي نفسه (51). والعمود من الناحية المعمارية يتكون من ثلاثة أجزاء رئيسية وهي: القاعدة ثم البدن ثم التاج ، وتم استعمال الأعمدة ذات البدن الأسطواني، ثم ابتكرت أعمدة أخرى ذات بدن مضلع قطاعه مثمن ، كما ابتكرت أعمدة ذات أبدان مضلعة تضليعا حلزونيا، وظهر في الطراز العثماني نوع من الأعمدة امتاز بما في بدنه من " خشخان " أي تقوير متعرج أو على هيئة معينات (52). أما التيجان فقد ابتكر المسلمون أنواعا مختلفة ، منها الرماني ذو القطاع الدائري أو القطاع المثمن أو على شكل الهرم الناقص المقلوب أو الناقوس ، ويزخرف تاج العمود إما بصف من الوريقات أو بالمقرنصات أو الدلايات (كما في قصر الحمراء بغرناطة )، وكانت القاعدة تأتي على شكل ناقوس مقلوب (53). أما العقد فهو عنصر معماري مقوس يعتمد على نقطة ارتكاز واحدة أو أكثر، ويشكل عادة فتحات البناء أو يحيط بها (54)، ويتألف العقد من عدة حجارة كل واحدة تسمى فقرة أو صنجة ، وفي العهد الأيوبي ظهرت الصنجات المزررة ملونة بالتناوب , وهي عبارة عن حجارة مقصقصة الأطراف متداخلة فيما بينها (55). وقد عرفت العمارة الإسلامية أنواعا كثيرة من العقود، قد تصل إلى حوالي اثني عشر نوعا (56)، كل إقليم من أقاليم الإمبراطورية الإسلامية كان يفضل بعض هذه العقود عن البعض الآخر، فقد استعملت في أول الأمر العقود نصف الدائرية ثم العقد المدبب الذي ظهر في عقود مجاز المسجد الأموي بدمشق ، وقد انتشر هذا العقد في ايران (مسجد الشاه في أصفهان) وف الهند (المسجد الجامع في دلهي)، أما عقد نعل الفرس فهو عقد يرتفع مركزه عن رجلي العقد ويتألف من قطاع دائرة أكبر من نصفها ويكثر استعمال هذا العقد في الأندلس وبلاد المغرب (57)، وما لبث أن ظهر في باطنه ومختلف أجزائه المقرنصات الحجرية والجصية ، خاصة في قصر الحمراء في الأندلس ، كما اهتم المغاربة بالعقد المفصص وهو يتألف من دوائر تلتف على بطن العقد، وقد يكون ثلاثي الفصوص فقط كما في مدخل مدرسة السلطان حسن في مصر، أما العقد الموتور (التخفيف) فهو عبارة عن جزء من دائرة ويعمل على نقل الأحمال بعيدا عن الأعتاب حرصا على سلامتها، ونجد مثالا له في باب النصر بالقاهرة وواجهة مسجد الصالح طلائع (58). 4- الشرفات والمقرنصات : الشرفة - بفتح الشين والراء - تعتبر أصلا من عناصر العمارة الدفاعية في الأسوار والقلاع والأبراج ، وهي حجارة تبنى متقاربة في أعلى السور وحوله ليحتمي وراءها المدافعون ويشرفون على المهاجمين ويطلقون عليهم السهام وكل زخارف تشبهها سواء أكانت أعلى مبنى أم على خزانة أم على منبر تسمى شرافة (59). واستعملت الشرفات لتتويج الواجهات قبل الإسلام في العمائر الساسانية والرومانية ، وأول استعمال لها في المباني الإسلامية كان في قصر الحير الشرقي وفوق مدخل قصر الحير الغربي وعلى الجدار الجنوبي لصحن الجوسق الخاقاني (قصر المعتصم )، والعامة يطلقون على الشرفات تسمية العرائس لأنها في بعض الأحيان تشبه أشكالا آدمية تجريدية تتلاصق أيديها وأرجلها (60) (كما في شرفات مسجد اب طولون مثلا). وقد أخذت الشرفات أشكالا متعددة من أشهرها الشرفات المسننة ، كما في الجامع الأزهر، واستمر استعمالها في العصر الأيوبي والمملوكي، ثم ظهرت الشرفات المورقة في أقدم مثال لها في مصر بمدرسة سنجر الجاولي، وفي منتصف القرن الخامس عشر الميلادي ظهرت شرفات يكون الشكل السالب (أي الفراغ ) عكس الشكل الموجب (أي المصمت ) كما في مسجد زين الدين يحيى ببولاق بالقاهرة ، ثم تطورت الشرفات وتلامست وغطى سطحها الخارجي بزخارف نباتية متشابكة كما في مدرسة الغوري في حي الأزهر (61). كما تعتبر المقرنصات من المبتكرات المعمارية الإسلامية ، ويشبه المقرنص الواحد، إذا أخذ مفصولا عن مجموعته ، المحراب الصغير أو جزءا طوليا منه ، وتستخدم المقرنصات في صفوف مدروسة التوزيع والتركيب حتى لتبدو كل مجموعة وكأنها بيوت النحل (62). استعملت المقرنصات كعنصر زخرفي في تجميل وزخرفة الواجهات أسفل الشرفات ، وفي المآذن وعند التقاء السطوح الحادة الأطراف في الأركان بين الأسقف والجدران ، كما استعملت كعنصر إنشائي في تيجان الأعمدة وفي تحويل المسقط المربع إلى دائرة لإمكان تغطيتها بالقبة ، وبذلك جمعت المقرنصات بين الزخرفة الناتجة عن الظل والنور نتيجة للسطوح البارزة والمرتدة بين وحداتها المتجاورة والمتراصة أفقيا ورأسيا وبين وظيفتها الإنشائية (63). ويسمى المقرنص تبعا لشكله أو مصدره ، فهناك المقرنص البلدي والمقرنص الشامي أو الحلبي والمقرنص المثلث والمقرنص بدلاية ، أما الدلايات فهي امتداد لعقد واجهة المقرنص وبتعبير أدق هي رجلا عقد المقرنص ولكن برؤية تشكيلية مبتكرة (64)، وهي في ذلك تشبه الدلايات والمتساقطات التي تنزل من سقوف بعض المغارات القديمة ، ومن هنا جاءت التسمية الأجنبية للمقرنصات بالـ " Stalactits ". لقد تعددت وتنوعت العناصر المعمارية التي استعملت في تصميم المساجد ولم تقتصر فقط على العناصر التي أشرنا إليها ، ولكن حاولنا أن نعطي بعض الأمثلة التي توضح فكرة التنوع في إطار الوحدة ، وقد امتدت هذه الفكرة أيضا إلى العناصر الزخرفية والتي اتسمت بصفة التجريد وعدم النقل المباشر من الطبيعة ، وتنوعت العناصر الزخرفية فى الفن الإسلامي ما بين الزخارف الهندسية أو النباتية ، كما تم استخدام الخط العربي أيضا خاصة في كتابة بعض الآيات القرآنية على حوائط المساجد أو على رقاب القباب من الداخل (65). ثانيا: التأثيرات المتبادلة بين المسجد والبيئة العمرانية: ذكر الماوردي وابن الربيع في تصورهما عن المدينة الإسلامية وفق معطيات مأخوذة من الضوابط الشرعية ، أن بناء مسجد جامع للصلاة في وسطها ليقرب على جميع أهلها هو أحد ثمانية شروط لإنشاء مدينة إسلامية (66). فقد كان الهدف من اختيار الموضع المتوسط لإنشاء المسجد الجامع في المدينة الإسلامية اعتبار وظائفه وليكون قريبا من كل أطراف المدينة حتى يسهل على المصلين التوجه إليه ، سواء أكانوا من أهل المدينة أم من المناطق المجاورة لها والتي لا تقام فيها خطبة ، والوسطية لم تكن شرطا لازما في التخطيط بقدر ما هي مرتبطة بالقرب من مناطق سكنى العامة ، ولا أدل على ذلك من وجود بعض النماذج من المدن التي لم ينشأ مسجدها الجامع في الوسط كسامراء التي أنشيء مسجدها الجامع في القطاع الشمالي من المدينة قريبا من سكنى العامة والأسواق ، بينما خصص القطاعان الأوسط والجنوبي لخطط القواد والأجناد، وكذلك أنشيء الجامع الأزهر في القاهرة في قطاعها الجنوبي قريبا من مناطق سكنى العامة في جنوبها (67). ولقد كان التوجه للقبلة أحد أهم الأسس التصميمية للمساجد، وقد أوضحنا كيف يمكن أن يؤثر ذلك في تصميمها المعماريء ويمتد هذا التأثير إلى التشكيل الفراغي للنسيج العمراني والبيئة العمرانية ككل ، ويمكن توضيح التأثيرات المتبادلة بين المسجد والبيئة العمرانية نتيجة الالتزام بالتوجه للقبلة في تصميم المساجد من خلال شكلين أساسيين من المؤثرات : (ا) تأثير المسجد في بيئته العمرانية : وهو يمثل حالة المدن الجديدة التي أشئت في بداية الدولة الإسلامية ، ونجد هنا أن المؤثر الوحيد في تصميم المساجد الجامعة كان اتجاه القبلة ، واتبع تصميمها أسلوب المساقط الحرة (68)، أي غير المقيدة بأي تخطيطات عمرانية ، ومن أمثلتها المساجد الأولى لمدن البصرة والكوفة والفسطاط ، حيث إن الشكل الخارجي للمسجد إما مربع واما مستطيل موجه تماما للقبلة ، ثم يمتد تأثير اتجاه القبلة للمدينة ككل حيث يكون الامتداد العمراني حول المسجد موازيا لجدرانه الخارجية (المتأثرة باتجاه القبلة ) كما نجد في تخطيط مدينة الفسطاط على سبيل المثال حيث تحيط الشوارع بالمسجد وتفصل بينه وبين دار الحكم ودور القواد ثم توزع الخطط من حولها متأثرة بالاتجاه نفسه . ومن الأمثلة المهمة التي توضح مدى تأثير المسجد في محيطه وبيئته العمرانية ما يمكن أن يتضح من تأثير اختيار اتجاه القبلة لجامع الزيتونة بمدينة تونس التاريخية والذي انعكس أيضا على توجيه باقي المساجد بها، فعلى الرغم من أن توجيه جامع الزيتونة كان غير دقيق هندسيا، حيث تم توجيهه مائلا 29 درجة و11 دقيقة على الاتجاه الصحيح للقبلة ، إلا أن توجيه جامع الزيتونة سيطر على توجيه كل المباني الدينيه التي بنيت بعد ذلك (69)، لذلك فإنه من الأهمية بمكان أن نلاحظ أنه على الرغم من أن التحديد الدقيق لاتجاه القبلة مهم جدا، إلا أنه فور تحديد اتجاه القبلة لمسجد جامع يتم بناؤه قبل تشكيل البيئة العمرانية المحيطة ، فإن تأثيره يتعدى الدقة الهندسية ليؤثر في كل محيطه العمراني والمعماري. إن العديد من المستوطنات في آسيا الوسطى، التي نشأت وظهرت بعد الفتح العربي في القرن الثامن الميلادي، تأثرت إلى حد بعيد بالتوجه للقبلة ، وحيث إن آسيا الوسطى تقع في الشمال الشرقي لمكة المكرمة فكان من الطبيعي أن يتم وضع محاريب المساجد جميعها في الحائط الجنوبي الغربي لها، وشكلت الواجهات الشرقية الشمالية (عكس اتجاه القبلة) الواجهات الرئيسية للمباني، وبذلك شكلت أبنية المساجد الساحات والشوارع التي تقع عليها، وكان المسجد الجامع هو العنصر الأهم ترتيبا في ساحة المدينة ، والتطورات التي تلت ذلك في النسيج العمراني اعتمدت بشكل كبير على تنظيم موقع الساحة الرئيسية أي على موقع المسجد الجامع ذاته (70). (2) تأثير البيئة العمرانية في تصميم المسجد : وهو يتمثل في حالة المساجد المقيدة ببيئة عمرانية قائمة بالفعل ، كتلك المساجد التي تم بناؤها في فترات متأخرة نسبيا من العصور الإسلامية في مدن وبيئات عمرانية موجودة بالفعل ، مثل مسجد الأقمر أو مدرسة السلطان حسن بالقاهرة وغيرهما، والتي اضطر المصمم إلى معالجة فراغها الداخلي ليلائم اتجاه القبلة الذي جاء منحرفا عن اتجاه الشوارع والأبنية المحيطة نتيجة بناء هذه المساجد والمدارس في مواقع غير مدروسة في الموقع العام ، ومن أهم هذه المعالجات على سبيل المثال انكسار المحور الرئيسي عند المدخل وعمل دواليب ووحدات معمارية بأعماق مختلفة في جهة الانحراف مثلما في مسجد الأقمر (71). ونرى في مدينة أصفهان الإيرانية مثالا كلاسيكيا لتأثير اتجاه القبلة في شكل المسقط الأفقي للنسيج العمراني، فقد صمم مسجد الشاه (1612 – 1630 م) حسب التوجيه الصحيح للقبلة مما نتج عنه انحراف المسجد عن محور الساحة المعروفة بميدان الشاه ، وهي مستطيلة منتظمة الشكل ، وبنيت قبل إنشاء المسجد (1579 – 1611 م) , شكلة تحديا عمرانيا ومعماريا تم حله ببراعة فائقة في نقاط الارتكاز بين الجامع والميدان (72). وفي المستوطنات الإسلامية بمنطقة آسيا الصغرى لوحظ أنه في حالة إقامة مسجد جديد في ميدان قديم موجود بالفعل ، فإنه لا يجري التعرض بالهدم أو تعديل المباني القائمة في الميدان ، ولكن كان يجري الاهتمام بتزيين واجهات المسجد وزخرفتها، وحتى في الحالات التي لم يتح فيها أن يكون مدخل المسجد من هذا الميدان حيث إن هذا يتعارض مع اتجاه القبلة ، فإن المدخل كان يصمم بأسلوب غاية في التعقيد (73). إن الأمثلة السابقة توضح أن بناء المساجد القديمة في البيئات العمرانية القائمة بالفعل كان يجري في إطار احترام وتأكيد التوجيه الفراغي للشوارع والميادين عن طريق بناء الواجهات الخارجية للمسجد على حد الملكية وموازيا للشارع ، مما يحافظ على البناء الفراغي للشارع واحترام الواجهات الخارجية للمسجد للتشكيل الفراغي للشارع مع صرامة توجيه الفراغات الداخلية لاتجاه القبلة ، مما يؤكد احترام المسجد للبيئة العمرانية القائمة . وبالنظر إلى المخططات العمرانية الحديثة في العالم الإسلامي يلاحظ في كثير من الأحيان تعارض اتجاه حائط القبلة للمسجد مع باقي أضلاع قطعة الأرض المخصصة له والتي تعتبر جزءا من المخطط الشبكي للمدينة ككل وهو أسلوب تخطيطي يختلف عن التخطيط المتضام الذي كان متبعا في المدن الإسلامية القديمة ، وتنطبق هذه الحالة مع العديد من المساجد في الأحياء الحديثة في العديد من مدن العالم الإسلامي. وقد أوضحت دراسة حديثة أجريت على ثمانية عشر مسجدا في مدينة " مومباي " (بومباي) بالهند الفرق بين اتجاه حائط القبلة ومدخل المسجد مقيسا بالدرجات ، كخطوة أولى لتوثيق قرنين من بناء المساجد في المدينة ، وهو ما يوضح أهمية توجيه شبكة الشوارع بالمدن الإسلامية الحديثة بحيث لا تتعارض مع اتجاه القبلة ، مما يكون له أكبر الأثر في سهولة تصميم وتخطيط المساجد بهذه المدن(74). كما تعتبر التأثيرات البصرية المتبادلة بين المسجد وبيئته العمرانية أحد أهم محاور العلاقة بينهما، ويمكن إدراك هذه العلاقة من خلال مستويين أساسيين : - المستوى الأول : يظهر من خلال تباين التشكيل البصري بين الفراغات الخارجية وصحن المسجد . ويعبر " بنفولو " عن هذا التباين بقوله (75): " في مقابل الأشكال غير المنتظمة لفراغات الشوارع والأحياء السكنية ، تتباين أشكال صحون المساجد الواسعة المنتظمة في علاقة جمالية باهرة رائعة ..."، فصحون المساجد الجامعة التاريخية كانت تعتبر أكبر فراغ عام داخل المدينة الإسلامية القديمة ، مما أدى إلى إضفاء إحساس غامر بالتباين الفراغي بين الفراغات الخارجية الضيقة المتعرجة غير المنتظمة المليئة بالحركة والحياة ، وبين فناء المسجد المتسع المنتظم البسيط التشكيل . - المستوى الثاني: ويظهر من خلال التشكيل البصري للمسجد داخل البيئة العمرانية ، وهذا يستلزم أولا أن نوضح بإيجاز، فيما يلي، أشكال التأثير البصري للكتل المعمارية (مرتبة تنازليا) (76): أ- الهيمنة البصرية : وهي تعني استيلاء مبنى معماري أو فراغ عمراني بصريا على محيطه الفراغي والعمراني والمدينة كلها . ب- السيطرة البصرية : وهي درجة أقل من الهيمنة البصرية ، حيث لا يتعدى التأثير البصري للمبنى أو للفراغ العمراني النطاق العمراني المباشر والمحيط بالعنصر نفسه . ج- التميز البصري: ويقصد به حصول مبنى أو فراغ على صفات بصرية ذات رسائل محددة تفيد في التعرف عليه بصريا وتميزه عما يجاوره من فراغات أو عناصر. د- الاندماج البصري: وهو تأثير بصري يؤدي إلى فقد المبنى أو الفراغ لشخصيته الخاصة والفردية وذوبانه تماما في الوسط العمراني والفراغي المحيط ، مكونا في النهاية مع المجموعة المحيطة والمجاورة له علاقة تشكيلية واحدة غير قابلة للانفصال أو التفتيت . واذا تم تطبيق المعايير البصرية السابقة على المباني الدينية الغربية نجد أن الكنيسة والكاتدرائية الأوروبية في العصور الوسطى تراوحت بين الدرجتين الأعلى للسيطرة والهيمنة بالترتيب ، في المقابل لعب المسجد دورا مهما في حياة المجتمع المسلم ، دورا مهما في حياة المجتمع المسلم , فارتبط المسجد ببيئته العمرانية المحيطة ، وتراوح التأثير البصري للمساجد حول درجة التميز البصري أساسا وحول درجة السيطرة البصرية بشكل ثانوي ومرتبط غالبا بفترات ضعف الأمة الإسلامية سياسيا واجتماعيا (77). وفي دراسة أجريت على العلاقة البصرية بين المسجد وبيئته المحيطة في المدن الماليزية ، وجد نوعان لهذه العلاقة (78): النوع الأول يأخذ المسجد فيها موقع الصدارة البصرية في مداخل الشوارع بالمجتمعات المحلية ، وهو ما كان مطبقا في المدن الإسلامية ، حيث كان المسجد يشكل جزءا من قصبة السوق ، والنوع الثاني يبدو المسجد كمبنى منفصل عما حوله من مبان ، بحيث يحيط به فراغات مكشوفة محاطة بحوائط ، وفي هذه الحالة يمثل المسجد علامة مميزة Landmark نتيجة لسيطرته وتفرده في موقعه الحضري، ومثال ذلك المسجد الوطني في " كوالا لامبور" ومسجد السلطان أبو بكر في Johor Bahru. وقد ظهر أخيرا اتجاه لدمج وإقامة المساجد في المراكز التجارية المقامة بوسط المدينة ومثال ذلك مسجد النور بمبنى مركز المدينة ، حيث يعتبر المسجد أحد المرافق المهمة بهذا المجمع التجاري، واذا عرفنا أن طبيعة المناخ الرطب في ماليزيا تجعل عمليات التسوق أفضل في المساء، حيث تكون طبيعة الجو أفضل نسبيا، وحيث إن الوقت ما بين أذان المغرب وأذان العشاء قصير نسبيا من هنا تظهر أهمية هذه النوعية من المساجد والخدمة التي يمكن أن تؤديها لرواد هذه المراكز التجارية من المسلمين (79). إن انعزال المسجد عن بيئته العمرانية يمكن أن يساهم في إضعاف التواصل والترابط بين أفراد وجماعات المجتمع المسلم مع المسجد ، فكلما زاد انعزال المسجد عن البيئة العمرانية لعب المناخ على الأقل دورا حيويا في المساهمة في أداء المسلمين للصلاة في أماكن عملهم أو إقامتهم ، بدلا من الذهاب إلى المساجد لإقامة صلاة الجماعة بها . ونظرا إلى أهمية العلاقة بين المسجد وبيئته العمرانية ، فقد روعي في تخطيط العاصمة الباكستانية الجديدة " إسلام أباد " أن يتم تقسيمها إلى مناطق سكنية أو قطاعات مربعة (1200 - ميل) يحتوي كل قطاع منها على كامل الخدمات السكنية ، كالخدمات التجارية والمدارس الابتدائية ، في نطاق السير على الأقدام ، وأن تشتمل هرمية المساجد وتدرجها على بناء مسجد جامع على مستوى كل منطقة ، بالإضافة إلى المساجد المحلية الصغيرة ، ويأتي على رأس تلك الهرمية مسجد الملك فيصل على مستوى العاصمة ككل والذي يستعمل أيضا في صلاة العيدين ، كما يخدم الجامعة الإسلامية في إسلام أباد (81)، ومما لا شك فيه فإن هذا التوزيع الهرمي للمساجد على مستوى العاصمة سوف يؤدي إلى عدم انعزال هذه المساجد عن بيئاتها العمرانية في كل منطقة أو قطاع سكني. لقد أوضحت بعض الدراسات الحديثة أن العلاقة بين المسجد وبيئته العمرانية لم تقتصر فقط على النواحي التخطيطية أو البصرية بل تعدت ذلك إلى النواحي الاقتصادية أيضا، ففي دراسة عن العلاقة بين مواقع المساجد وأسعار الأراضي في مدينة " الدمام "، بالسعودية (82)، كشفت الدراسة عن أهمية اختيار مواقع المساجد في تحديد أسعار الأراضي كعامل أساسي يأتي في مقدمة العوامل التي تحدد هذه الأسعار، وهي نتيجة طبيعية في مجتمع مسلم يحرص معظم أفراده كل الحرص بجميع شرائح المكلفين ، كبارا وصغارا - حتى المعوقين - على إقامة العبادات والشعائر الدينية ، وعلى رأسها أداء الصلوات الخمس يوميا بالمسجد . وهذه النتيجة تعطي مؤشرا قويا للمخططين ومتخذي القرار بأن يراعوا عند توزيع المساجد في المدن الإسلامية الحديثة أن تكون في متناول جميع شرائح المجتمع ، بحيث يغطي توزيعها كل مساحة الحي أو المنطقة السكنية ، لأن عدم مراعاة التوزيع العادل للمساجد في الأحياء سيؤدي إلى عشوائية التوزيع ، مما يضطر بعض فئات المجتمع (غير القادرة ماديا على شراء أراض للسكن بالقرب من المسجد) إلى أن يقوموا بتخصيص أماكن غير مناسبة لأداء الصلاة تكون بالقرب من مساكنهم ، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى العشوائية في إقامة هذه المساجد أو الزوايا المتناثرة ، وهو ما يرى بالفعل في الكثير من المدن الإسلامية الحديثة . إن نتائج الدراسات المتعددة للخصائص التخطيطية لمدينة الدمام بالسعودية والتي أخذت كمثال للمدن الإسلامية المعاصرة توضح التباين الحاد في توزيع المساجد المحلية (على مستوى الأحياء) ومساجد الجمعة ومصليات العيد، ومثل هذا الخلل ظهر أيضا من دراسة مدينة " أبها " بالسعودية (82)، ويتوقع أن يكون موجودا أيضا في معظم المدن الإسلامية المعاصرة ، لذلك فقد اوصت إحدى الدراسات الحديثة بأن يكون نطاق خدمات المساجد المحلية في حدود 300متر ومساجد الجمعة في حدود 600 متر، أما مصليات العيد ففي حدود 1800 متر (83)، من أجل ضمان التوزيع العادل للمساجد داخل المدن والبيئات العمرانية بالمدن الإسلامية المعاصرة . ثالثا: المؤثرات المناخية على عمارة المساجد ربما يتصور البعض أن العوامل المناخية لم تؤخذ في حسبان من قاموا بتصميم المساجد على اختلاف بيئاتها في مختلف العصور الإسلامية ، وأن تأثير العوامل المناخية قد اقتصر فقط على المباني السكنية أو العامة ، من هنا تأتي أهمية إيضاح كيف أن الظروف المناخية قد أثرت أيضا في تصميم عناصر المسجد الأساسية التي يأتي في مقدمتها الصحن ورواق القبلة . ويعد الصحن المكشوف أو الفناء الأوسط من أهم العناصر المعمارية في تخطيط المساجد ، إذ إنه مصدر الضوء والهواء لظلات المسجد المحيطة به وبخاصة ظلة (رواق) القبلة التي يندر أن تكون فيها فتحات للنوافذ ، لهذا روعي أن تكون مساحة الصحن فسيحة ومكشوفة . وكان تحديد شكل الصحن ومساحته يتركان للظروف المناخية الخاصة بكل إقليم فنجد أن الصحون المكشوفة تقل مساحتها في البلاد الباردة أو شديدة الحرارة ، لذلك فإن الصحون تصغر مساحتها كلما اتجهنا شمالا أو جنوبا في بلاد العالم الإسلامي، فعلى سبيل المثال نجد صحون المساجد في الأقطار العربية وايران والهند أفنية مكشوفة واسعة المساحة ، بينما نجد مساحة الصحون تصغر أحجامها في مساجد آسيا الصغرى وما وراء النهر وتركيا (84). وفي شرق العالم الإسلامي ومصر يكون صحن المسجد محصورا بين بيت الصلاة والأروقة الجانبية والرواق الخلفي، مثل الجامع الأزهر، أما في غرب العالم الإسلامي فيمتد بيت الصلاة حتى يشغل نصف مساحة المسجد أو أكثر ولا توجد به غالبا أروقة جانبية أو خلفية ، فيبدو الصحن كأنه فناء فسيح في مؤخرة المسجد، حتى إذا أحيط بسور، ويرجع ذلك إلى غزارة الأمطار التي تسقط على هذه المنطقة ، حيث يفضل تغطية أكبر مساحة ممكنة من المسجد كما هي الحال في جامع الزيتونة بتونس ، الذي يشغل فيه بيت الصلاة نصف مساحة المسجد، ويحاط فناؤه برواقين جانبيين وثالث خلفي، حيث تستخدم هذه الأروقة كممرات لحماية المصلين من الأمطار (85). ونظرا لأن بدايات انتشار الإسلام كانت لخطوط عرض تصل إلى 10 درجات شمال مكة المكرمة والمدينة المنورة ، حيث انتشر الإسلام في شمال أفريقيا وبلاد الشام ، حيث إن زوايا ارتفاع الشمس أقل بحوالي 10 درجات من مثيلاتها بمكة والمدينة (86)، فقد كانت الظروف المناخية بهذه المناطق متقاربة نوعا ما، وكانت صحون المساجد كبيرة نوعا ما، وفي القرن الثالث عشر بدأ الإسلام ينتشر جنوب الصحراء الأفريقية في أماكن صحراوية وخطوط عرض أسفل من مكة والمدينة ، وتتميز هذه المناطق بزوايا شمس مرتفعة ، مما أدى إلى صغر مساحة صحون المساجد بهذه المناطق . إن مساحة الصحون في المساجد الجامعة الأولى (كمساجد المدينة وابن طولون والقيروان ) كانت تمثل نسبة تتراوح من 40-50 في المئة من مساحة المسجد ككل ، ومساحة رواق الصلاة تمثل من 25_- 30 في المئة من مساحة المسجد ككل ، ونجد أن الاستثناء ينطبق على المناطق جنوب الصحراء (مسجد تمبكتو بمالي) حيث زوايا الشمس مرتفعة والظروف الصحراوية قاسية ، مما أدى لصغرمساحة الأفنية للحصول على المزيد من الظلال ، مع صغر مساحة النوافذ والأبواب أيضا . وفي دراسة أخرى على صحون بعض المساجد الجامعة الأولى في مصر (87)، وجد تناسب بين مساحة صحن المسجد مع مساحة الجزء المبني من المسجد، ويلاحظ كبر نسبة تشكيل الصحن إلى كتلة المسجد، وبصفة عامة يلاحظ أن مساحة الصحون تمثل نسبة تتراوح من 30 – 55 في المئة من مساحة المسجد ككل . وعند ظهور النموذج ذي الصحن والإيوانات في العصر الأيوبي بمصر في تصميم المدارس ، احتفظ هذا النموذج بفراغ الصحن في كل من المدرسة الصالحية والكاملية من العصر الأيوبي، وكذلك مدرسة المنصور قلاوون وغيرها من العصر المملوكي (88)، ويلاحظ أن النسبة المئوية للصحن كانت تتراوح ما بين 30 إلى 50 في المئة من المساحة الكلية من المدرسة . وقد أخذت مساحة الصحن بين الإيوانات في الانكماش شيئا فشيئا حسب حجم المنشأ، إلى أن تمت تغطيته في عصر المماليك الجراكسة بسقف ومن الخشب به شخشيخة للإضاءة واستعيض عن الصحن بالشبابيك الخارجية للإضاءة ، أما في العصر العثماني فقد احتفظت بعض المساجد بالصحن في وسطها، مثل مسجدي الملكة صفية ومسجد سليمان باشا بالقلعة وجامع محمد علي باشا، ولكن سد جدار رواق القبلة كحائط به فتحات جهة الصحن ، كما ظهر نوع آخر من المساجد اختفت فيه معالم الصحن ، مثل مسجدي سنان باشا ومحمد بك أبو الدهب ، واستعيض عنه بعمل قبة كبيرة تسيطر على الفراغ ، واعتمد فيه على الإضاءة الخارجية من شبابيك ذات فتحات مرتفعة (89). إن ظاهرة اختفاء الصحن المكشوف من المساجد الحديثة أدت إلى اعتمادها على الإضاءة والتهوية الصناعية ومكيفات الهواء، خاصة في الدول العربية ذات المناخ الشديد الحرارة ، على الرغم من أهمية وجود هذه الأفنية والدور الذي يمكن أن تقوم به في ترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية ، ففي دراسة حديثة أجريت على بعض مساجد المنطقة الشرقية بالسعودية (الدمام والأحساء) (90)، وجد أن استهلاك المساجد من الكهرباء يرتفع في الأشهر الحارة من السنة إلى أضعاف استهلاك شهور الشتاء، فمساجد المنطقة الشرقية , بصفة عامة ، تستهلك 75 في المئة من طاقتها في فصل الصيف ، ومساجد الدمام تستهلك 76 في المئة وفي منطقة الأحساء تصل النسبة إلى 77 في المئة . وقد أوضحت الدراسة إمكان استعمال الفناء الخارجي للمسجد كمكان للصلاة في الصيف بنسبة32 في المئة من الوقت بالدمام ، وبنسبة 28 في المئة بالأحساء , فتوظيف الفناء كمكان للصلاة خاصة أوقات المغرب والعشاء والفجر يبدو أنه اقتصادي في المنطقتين السابقتين ، ويمكن إضافة وقت صلاة العصر في منطقة الدمام ، حيث تتراوح الأوقات التي يمكن أن يستخدم فيها الفناء بين ا3 إلى 72 في المئة في الأحساء، وبين 36 إلى 61 في المئة في الدمام ، وبذلك سيكون التوفير في استهلاك الطاقة الكهربائية كبيرا في هذه المساجد نتيجة التقليل من استعمال أجهزة التكييف والإضاءة الصناعية . إن المصمم المسلم قديما قد تنبه إلى أهمية صحن المسجد (أو المدرسة) كمصدر أساسي للإضاءة الطبيعية أيضا، خاصة في حالة عدم وجود نوافذ بالقدر الكافي في رواق أو إيوان الصلاة ، فإذا أخذنا مدرسة الصالح نجم الدين أيوب بمصر كمثال ، والتي تعتبرمن أهم نماذج المدارس ذات الصحن والإيوانات ، نجد أن الاعتماد الرئيسي على الإضاءة في الإيوانات كان على الصحن ، وتوزيعها خلال فترات النهار يعطي أفضلية للإيوان الرئيسي (المذهب الشافعي)، ففتحة الإيوان تأخذ الاتجاه الشمالي ذا الإضاءة غير المباشرة ، والتي لا تعطي ظلالا تؤثر في الوظيفة التعليمية بالمدرسة ، أما في الإيوان المقابل (المذهب المالكي) فقد استعاض المعماري بعمل ثلاثة شبابيك على الواجهة لاستقبال إضاءة الشمال ، ونجد التحكم في الإضاءة الطبيعية الآتية من الصحن تتم عن طريق التحكم في اتساع فتحة الإيوان أو ضيقها، كما يساعد ارتفاع قمة عقد القبو الرئيسي ( 12.40 م ) المطل على الصحن على توصيل الإضاءة إلى عمق الإيوان بالداخل (91). أما عن الإضاءة الصناعية ، والتي تلزم لاستمرار الدروس في جميع فترات اليوم حتى بعد العشاء، فذكر أنه في سمت القبو توجد ثلاث فتحات بها أماكن لتعليق ثلاث مشكاوات خاصة بالإضاءة ، كما هي الحال في طاق كسرى وفي قصير عمرا بالأردن (92). ومع تطوير نموذج المسجد النبوي ذي الصحن فلم يتم الاقتصار على إضاءة وتهوية رواق القبلة على الصحن المكشوف فقط، بل ظهر ما يسمى " بالمجاز القاطع "، في بعض المساجد كالمسجد الأموي بدمشق ، حيث تغطى قاعة الصلاة سقوف سنامية (جمالونات مائلة) الشكل صنعت من الخشب وصفحت من الخارج بالرصاص ، يقطعها في وسطها سقف المجاز القاطع المرتفع ، وبه نوافذ للإضاءة (93)، وتستمد قاعة الصلاة نورها من نوافذ مفتوحة في جداريه الكبيرين ، الشمالي والجنوبي، وتحدث عن هذه النوافذ الرحالة ابن جبير (578هـ/ 1182م) وميز بين نوعين منها، فهي زجاجية في الجدار الجنوبي وجصية في الجدار الشمالى (94). ولا شك أن في أسلوب التصميم السابق وعيا بزوايا الشمس واتجاه الرياح ، فزوايا الشمس , خاصة في الشتاء , تكون منخفضة فتقع أشعتها على النوافذ الزجاجية الملونة بالواجهة الجنوبية ؛ فتضفي شكلا جماليا على الجدار القبلي لقاعة الصلاة ، أما بالنسبة للنوافذ بالجهة البحرية - حيث تأتى الرياح - فهي جصية مخرمة من أجل التهوية الجيدة . ويعتبر الجامع الأزهر بمصر أحد النماذج الجيدة للاستفادة من الإضاءة الطبيعية ويظهر ذلك جليا مما يلي (95): 1- الصحن المكشوف في النموذج الأصلي للجامع هو العنصر الأساسي المألوف للإضاءة بالنسبة للمساجد الجامعة الأولى، وهو مستطيل الشكل ، وجرى إحاطة الأروقة بعد ذلك بسياج من الخشب لتوزيع الإضاءة واتقاء الشمس المباشرة بالأروقة . 2- الإضاءة عن طريق المجاز القاطع الذي ينتهي من أعلى بشبابيك للإضاءة . 3- الإضاءة عن طريق شبابيك جصية أعلى الجدار الأصلي للجامع ، وهي ذات عقود مستديرة تتخللها أشكال مفرغة من الجص ، بها زجاج متعدد الألوان » وما زالت هذه الشبابيك تحدد معالم الجامع القديم من الجهات الشمالية والشرقية والجنوبية. 4- عن طريق فرق المنسوب بين سقفي الرواق القديم والجديد، حيث ترتفع أرضية وسقف زيادة عبد الرحمن كتخدا عن أرضية وسقف الرواق القديم , ويبدو أن المصمم استبعد وصول الضوء من الصحن إلى هذا الرواق الجديد عند إضافته للزيادة الكبيرة في عمقه وبعده عن الصحن . 5- فرق المنسوب (شخشيخة) في أجزاء من أسقف بعض الأروقة وأسقف بعض المدارس التي ألحقت بالجامع (كالمدرسة الجوهرية مثلا). إن الاستفادة من الإضاءة الطبيعية في المساجد تعتبر حيوية ، وذلك لأن المسجد أكثر المباني انتشارا في المجتمعات المسلمة ، وعادة ما يكون المسجد مبني مستقلا بذاته ، مكونا من طابق واحد، ممكن إدخال الإضاءة الطبيعية من الأعلى والجوانب ، وهو ما يعتبر وضعا مثاليا لتوفير إضاءة متوازنة من ناحية الكم والكيف في داخل المسجد إذا أحسن تصميم الفتحات . وفي دراسة حديثة عن معايير الإضاءة الطبيعية في المساجد تم التوصية بتجنب وضع نوافذ في حائط القبلة من أجل تجنب الإبهار المباشر لأعين المصلين بشكل مستمر، لأن وجود نوافذ لامعة جدا في حائط القبلة يؤدي إلى صعوبة تكيف العين بين التباين الشديد في الإضاءة بين النافذة والمنطقة المحيطة بها من الحائط (96). كما أوضحت الدراسة أن النافذة تعطي مستوى إضاءة مفيدا لعمق يساوى مرة ونصف قدر ارتفاع النافذة ، وتتضاعف الاستفادة من المتر المربع من الزجاج عند زيادة ارتفاعه من 5. ا إلى 3م ، فيمكن الاستفادة من النافذة بتقليل المسافة بينها وبين السقف ما أمكن ، كما أنه كلما زاد ارتفاع المسجد، زادت الاستفادة من الإضاءة العلوية وقلت الحاجة لزيادة فتحات الإضاءة العلوية ، وبالتالي التوفير في استهلاك الطاقة . ومن أساليب التهوية الطبيعية التي تم استخدامها في تهوية المساجد، بالإضافة للصحون المكشوفة والنوافذ، أبراج وملاقف الهواء، وقد تم استخدامها في تهوية بعض المساجد القديمة في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، كما في ملقف الهواء الحائطي الموجود خلف منبر مسجد الصالح طلائع بمصر، وملقف مسجد نجم الدين بالمنيا(97) ، كما يوجد ملقف هواء بوسط سقف الرواق الأوسط لمسجد " داعي الدار " بمدينة " فوة " المصرية ، وهو عبارة عن بروز بسيط في السقف يعلوه سقف مائل له جنبان من الخشب ، ومصوب لاتجاه الشمال الغربي، حيث جهة هبوب الرياح (98). وفي إيران تم استخدام أبراج التهوية في المسجد القديم في كرمان ، حيث يقع برج التهوية بجوار المحراب ، ويتكامل مع بناء وتكوين المسجد، وقد اوضحت القياسات (99) أن هذا البرج قد ساعد على إحداث تيار هواء أثناء النهار من الخارج إلى داخل المسجد، على الرغم من أن سرعة الهواء الخارجي كانت منخفضة ، وكانت درجة حرارة الهواء الخارج من البرج تقل عن درجة حرارة الهواء الخارجي بمقدار ثلاث درجات مئوية : مما أعطت تأثيرا إيجابيا داخل المسجد، أما في الليل فقد تغير اتجاه تيار الهواء في البرج وأصبح يعمل كالمدخنة حيث يخرج الهواء الدافئ نسبيا من داخل المسجد عن طريق البرج إلى خارج المسجد حيث الهواء الخارجي الأكثر برودة . وفي الكويت تم استخدام ملقف الهواء في مسجد " مكي" Mekki_ حيث تم وضعه في حوائط المسجد السميكة ، كما تم استعمال ملاقف أخرى في الحوائط المحيطة بسطح مسجد " سعيد ", حيث كانت تستخدم أسطح هذه المساجد فى صلاة العشاء أو في صلاة القيام في رمضان ، أو كمكان لإقامة المعتكفين في الأيام العشرة الأخيرة من رمضان ، أو كمكان لنوم الضيوف وعابري السبيل (100). كما تم استخدام أبراج التهوية المطورة في العصر الحديث لتهوية قاعة الصلاة وصحن جامع الرحمانية بمدينة " سكاكا " بمنطقة الجوف بشمال المملكة العربية السعودية ، حيث يسود مناخ حار شديد الجفاف صيفا، وقد أوضحت القياسات التي تمت على مدى خمسة شهور (من يونيو إلى أكتوبر) أنه عندما كانت درجات الحرارة الخارجية في الساعة الثانية ظهرا تتراوح ما بين 36 إلى 39 درجة مئوية ، كانت درجات الحرارة الداخلية في الوقت نفسه تتراوح ما بين 22 إلى 24 درجة مئوية ، وبذلك يتضح أن متوسط الانخفاض في درجات الحرارة في هذا التوقيت قد بلغ حوالي 14.5 درجة ، كما أن النتائج قد أثبتت أهمية هذا النظام ودوره الفعال في تقليل استهلاك الطاقة والحاجة إلى دعم تطويره بصورة تتلاءم مع الاستخدامات الإنسانية المتنوعة (101). أما في المناطق الباردة من العالم الإسلامي فيختفي الصحن المكشوف ويقتصر المسجد على قاعات الصلاة المغطاة ، ومن أمثلة هذه المناطق بعض القرى الموجودة في أفغانستان ، حيث توجد نماذج لمساجد صغيرة ولكنها تعبر عن العمارة الوظيفية البيئية ، ويتم توفير التدفئة بهذه المساجد من خلال النظامين التاليين (102). أ-التدفئة أسفل الأرض من خلال ممرات يمر فيها الهواء الساخن ثم يتجمع طرف المبنى بعد أن يفقد حرارته لتصريفه ، وهذا النظام معروف باسم " الطوخانة ". ب- النظام المعروف باسم " البخاري "، ويعمل باستخدام قدر معدني في منتصف تحته منطقة محددة يوضع فيها الخشب لتسخين الماء، الذي بدوره يسخن الجوانب الخارجية لهذا القدر الكبير، وتتم التدفئة بواسطة الإشعاع من المعدن ، أما الدخان فيتجمع في ماسورة تنفذ في وسط هذا الإناء أو القدر وتتجه إلى السطح حيث يخرج الدخان . يعتبر موضوع التدفئة عنصرا أساسيا فى هذه المناطق ، ويكون فى كثير من الأحيان سببا في تحديد حجم المسجد وعدم اتساعه اتساعا كبيرا, بينما تشكل أشعة الشمس عنصرا مهما للتدفئة نهارا . إن أحد الأسباب الرئيسية لاستخدام القباب في تغطية قاعات الصلاة بالمساجد هو تغطية أكبرمساحة دون الحاجة إلى أعمدة ، اللهم إلا على أطراف القبة ، ولكن يوجد سبب آخر مهم نابع من البيئة ، ألا وهو عدم تراكم مياه الأمطار فوق الأسقف ، لهذا تكرر استخدام القباب بشكل ملحوظ في المناطق التي تكثر فيها الأمطار (كالهند وفارس وتركيا)، وفي حالة العجز عن بناء قباب كبيرة الحجم يتم اللجوء إلى تكرار بناء قباب صغيرة (103)، في حين نرى أنه في المناطق الصحراوية الجافة فإن أسطح المساجد تكون مستوية . أما في بعض المناطق التي تجمع ما بين الحرارة الشديدة صيفا والبرد القارص شتاء فقد ظهر نمط تصميمي للمساجد اختلف عما عرف من جوامع ومساجد القرون الثلاثة الهجرية الأولى، حيث يخلو المسجد من الظلات الجانبية والخلفية التي تحيط بالصحن ، وأصبح بيت الصلاة مكونا من قسمين (104): مغلق ومفتوح أو شتوي وصيفي، كما في القسم الشمالي من العراق ، ويظهر ذلك في تخطيط الجامع النوري بالموصل (566 – 568 هجرية )، حيث ينقسم بيت الصلاة إلى قسمين : الأمامي ببوائك مفتوحة على الصحن (مصلى صيفي)، والآخر غير مفتوح البلاطات ومغلق (مصلى شتوي)، وهذه ظاهرة جديدة ظهرت في هذا الجامع لأول مرة ، ويحتمل جدا أن وجود أكثر من مسجد جامع في المدن الإسلامية أدى إلى عدم الاهتمام بسعة المسجد وسعة بيت الصلاة ، فإذا ضاق المسجد بالمصلين أيام الجمع والأعياد فلا داعي إلى المجنبتين والمؤخرة ، ويمكن أن يستخدم الصحن لاستيعاب ما لم يتسع له بيت الصلاة . وتتكرر الظاهرة السابقة في جامع مجاهد الدين (572 – 576 هجرية)، وهو يتألف من بيت للصلاة وصحن واسع يشغل فيه بيت الصلاة حوالي 400 م2من إجمالي المساحة المقدرة بحوالي 2100 م2، ويحتل بيت الصلاة القسم الجنوبي الغربي منه ، وينقسم إلى مصلى شتوي وآخر صيفي، حيث يبلغ عمق بيت الصلاة الشتوي حوالي 10.40 م ، أما الصيفي فعمقه 4.70 م (105). ولم تقتصر هذه الظاهرة على بعض مساجد العراق فقط بل تم رصدها في مناطق أخرى من العالم الإسلامي مع بعض الاختلافات البسيطة كما في مساجد مرتفعات جنوب غرب المملكة العربية السعودية (106)، فالمسجد في هذه المنطقة عبارة عن قاعة مغلقة بها عدد من الأعمدة الواحد منها يسمى " سطاع أو مرزح " , وطول المسجد يتراوح من تسعة إلى اثني عشر مترا ، وبعرض قدره ستة أمتار تقريبا ، فمساحة المسجد تتناسب مع كثافة سكان الترية ، ويقع خلف قاعة الصلاة فناء مفتوح يسمى " الصوح "، وهو بطول المسجد وقريب من عرضه ؛ إذ يوازي مساحة المسجد المغطاة تقريبا، والسبب في هذا التصميم يرجع إلى محاولة التكيف مع الظروف المناخية حيث معدلات نزول الأمطار عالية ؛ مما يجعل الفراغ المغلق أكثر ملاءمة للحماية من الأمطار وخاصة المصحوبة بالرياح ، فاعتدال المناخ في الصيف وميله للبرودة في الشتاء يجعل من الإمكان استخدام الفناء كمكان للصلاة في ليالي الصيف ونهار الشتاء . رابعا : أثر تعدد البيئات الثقافية في اختلاف التشكيل المعماري للمساجد احترم الدين الإسلامي تعدد الثقافات في المجتمعات الإنسانية ونلمح ذلك في قول الله سبحانه وتعالى " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، إن الله عليم خبير" (سورة الحجرات ،آية 13 )، وهذه الرؤية الحضارية هي التي سمحت بتنوع التشكيل المعماري لعناصر المسجد احتراما لتعدد البيئات الثقافية للمجتمعات الإسلامية في مختلف بقاع الأرض . لقد أدى وصول بعض الأفراد والجماعات المسلمة ووجودها في العديد من المجتمعات غير المسلمة في مناطق مختلفة من العالم إلى ظهور الحاجة الملحة لبناء المساجد لإقامة الصلاة وأداء الشعائر الدينية ، ونظرا لاختلاف بيئة هذه المجتمعات غير المسلمة من الناحية الحضارية والثقافية ، إلى جانب اختلاف الموروث المعماري لها، فإنه بالتأكيد تظهر بعض الإشكاليات الجديدة وغير التقليدية التي يمكن أن تواجه المسلمين عند بناء مساجدهم . وتأتي على رأس هذه الإشكاليات أن مباني المساجد يتم النظر إليها على أنها مبان غريبة وغير تقليدية بالنسبة للسكان الأصليين بهذه المجتمعات غير المسلمة, كما أن اختيار النمط المعماري الملائم لبناء المسجد في بيئة أو مجتمعات غالبا ما تخلو من أي تقاليد معمارية إسلامية سابقة يشكل تحديا للمسلمين عند بناء مساجدهم خاصة الأولى، فتلك المساجد لا تخدم قط حاجات الجماعة المسلمة ، بل تحتضن أيضا بعض القيم الرمزية والرسائل الصامتة لدعوة غير المؤمنين بالدين الإسلامي للدخول فيه واعتناق مبادئه ، من هنا تظهر أهمية توضيح ومناقشة العديد من القضايا المتعلقة بتصميم المساجد في بيئة المجتمعات غير المسلمة. من الناحية التاريخية فإن وجود أقلية مسلمة في مجتمع غير مسلم حالة موجودة في العديد من مناطق العالم منذ قرون عديدة ، كما في بعض دول جنوب شرق آسيا كسنغافورة أو نيبال مثلا، أو في دول البلقان بأوروبا، وان كانت أمريكا وكندا وبعض الدول الأوروبية كإيطاليا وفرنسا وانجلترا تمثل حالات قريبة نسبيا من الناحية الزمنية فإن اليابان وكوريا تمثلان حالات أكثر قربا وارتباطا بالعصر الحديث ، وفي المحاور التالية نعطي نماذج من عمارة المساجد في بيئات إسلامية متمايزة في الثقافة والبيئة المحلية. أ- عمارة المساجد في آسيا تتميز البيئة الآسيوية بسمات ثقافية وحضارية تختلف عن غيرها من الثقافات الأخرى، وينعكس ذلك بالتالي على مختلف مناحي الحياة ، وهو ما يظهر بوضوح في عمارة المساجد التقليدية ، كما في إندونيسيا وسنغافورة وماليزيا. لقد دخل الإسلام إلى سنغافورة عند دخوله أرخبيل الملايو (يضم حاليا ماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا وجزر الفلبين الجنوبية ) على يد الدعاة من العرب الذين جاءوا عن طريق الهند، وذلك بين القرنين الثالث والرابع عشر الميلادي، ويمثل المسلمين الآن ، الذين يبلغ عددهم حوالي 400 ألف نسمة ، حوالي 16 في المئة من عدد السكان (107). ويوجد في سنغافورة أكثرمن سبعين مسجدا قديما تم هدم ثمانية عشر مسجدا منها منذ عام 1968 وحتى الآن ، والمساجد التي تم هدمها كانت الى حد كبير أشبه بالمساكن ولا يمكن تمييزها عنها إلا بالهلال الموجود على قمة السقف المائل ، ونظرا لتعدد الأجناس في سنغافورة فقد ظهرت التأثيرات الهندية والصينية في كثير من المباني القديمة والتي ما يزال بعضها موجودا حتى الآن . أما عن سمات وملامح المساجد التقليدية في سنغافورة فقد نقلت إليها مع المهاجرين الذين وفدوا إليها من الهند والصين وماليزيا واندونيسيا وغيرها من الدول ، وبعض الملامح الأخرى من السكان الأصليين (الملاويين )، ومن أهم هذه الملامح ما يلي (108): - الأسقف المائلة التي تغطي بعض الفراغات أو المداخل أو فتحات الشبابيك . - القباب بصلية الشكل ، التي تغطي فراغات قاعة الصلاة ونهايات المآذن . - الزخارف التجريدية على واجهات المساجد، بالإضافة إلى استخدام الألوان الذهبية والخضراء في معالجة الأسطح . وإذا تحدثنا عن عمارة المساجد في " نيبال "، التي تعتبر المملكة الهندوسية الوحيدة في العالم ، ويسكنها22.5 مليون نسمة ينتمي 95 في المئة منهم إلى الطوائف الهندوسية والبوذية ، وينتمي 5 في المئة الباقين إلى الطوائف المسلمة والمسيحية وغيرهما من الطوائف ، فنجد أن مسجد " بانشا كشمير تاكيا " هو أول مسجد بني في نيبال ، ويقع إلى الشرق من حي " رانين بوخاري " الذي يقع في قلب العاصمة " كاتمندو " بالقرب من القصر الملكي (109). ومع مرور الزمن أصبحت كاتمندو مركزا لمسلمي كشمير الذاهبين إلى التبت بغرض التجارة ، وهكذا نما عدد المسلمين واتسع المسجد من حين لآخر، وفي أثاء زلزال حدث عام 1930 دمر هذا المسجد، غير أنه قد تم تجديده حيث عاد لسابق عهده . وتوجد العديد من المساجد الأخرى الموجودة في مملكة نيبال ، حيث تشكل قاعة الصلاة فيها أهم جزء، وهي مستطيلة المسقط، مبنية بمواد ووسائل بسيطة ، ويتم وضع المآذن الصغيرة بجوار الباب الرئيسي للدلالة على وجود مبنى المسجد، المساجد تقام بالجهود الذاتية والمحلية للمسلمين وبأسلوب بسيط وذلك لنقص التمويل المادي وقلة الخبرة والمعرفة بخصائص العمارة الإسلامية (110). واذا انتقلنا إلى ماليزيا فيوجد بشكل رئيسي ثلاثة أنواع من المساجد التقليدية بنيت بواسطة الحرفيين الماليزيين والصينيين في الماضي، وهذه الأنواع هي (111). -المساجد الخشبية. - المساجد المبنية بالطوب والحجر. - المساجد التي من نوع المساكن . وتتميز هذه المساجد بأن شكل مسقطها الأفقي مربع في غالب الأحيان ، وسقفها هرمي الشكل ، وارتفاع الواجهات غالبا ما يتساوى مع عرض المسجد، وأن وجد المئذنة ليس ضروريا فى كل المساجد. أما بالنسبة للمساجد الحديثة التي تبنى في المدن الماليزية من كوالالمبور إلى بريوني وسلطنة صباح فهي لا تتقيد بتقليد معماري سابق ، وإنما تجر انطلاقا حرا في تطويع كل الأشكال الهندسية والمواد المعمارية لمطالب المساجد (112)، ويبدو أن المعماريين قد انعكست رؤيتهم للإسلام كديانة تختلف في جوهرها عن الأديان السائدة هناك ومن ثم تولدت لديهم قناعة بأنه لا مجال للاقتباس من الماضي ولابد من ابتداع خطوط وأساليب تصميمية جديدة . ب- عمارة المساجد في جنوب الصحراء الأفريقية تمثل عمارة المساجد التقليدية في غرب وشرق أفريقيا جنوب الصحراء أسلوبا متميزا في التكيف مع خصائص البيئة والمؤثرات المحلية بهذه المناطق (113). لقد دخل الإسلام غرب أفريقيا (نيجيريا، النيجر، غانا، موريتانيا، مالي،غينيا) في القرن التاسع الميلادي عن طريق الرحلات التجارية ، ويعتبر تاريخ عمارة المساجد في غرب أفريقيا مزيجا لتلاقي الثقافة الإسلامية والثقافة الأفريقية المحلية (كثقافة الهوسا والفولاني على سبيل المثال). ومن أهم تأثيرات مساجد شمال أفريقيا على مساجد غرب أفريقيا الشكل المربع للمآذن (نمط الصومعة ) كما في المسجد الكبير بأجاديز بالنيجر، ومسجد الجمعة بكانو بنيجيريا، كما أن الأسقف الطينية المستوية تعتبر أيضا من التأثيرات الإسلامية ، مع ملاحظة أن المساجد في أفريقيا اعتمدت بصفة أساسية على مادة الطين كمادة أساسية في البناء، وان كانت توجد بعض نماذج لمساجد استخدمت في بنائها الأحجار، كما بالمسجد الكبيد بشنجوتي بموريتانيا، حيث تم بناء حوائط المسجد بالحجر والطين مع تسقيفه بجذوع النخل . كما يلاحظ وجود الفناء المكشوف على صورتين : الأولى كمساحة مكشوفة تتقدم قاعة الصلاة المغطاة ، كما في حالة مسجد الحاج محمد بجاو بمالي, والثانية على هيئة فناء داخلي محاط بالحوائط أو الدعامات من جوابه الأربعة ، كما في بعض مساجد تمبكتو بمالي. وفي حالات قليلة نجد أن المسجد ما هو إلا الكوخ الأفريقي الدائري المغطى بسقف على شكل قبة مخروطية من أخشاب ونباتات البيئة المتوافرة ، كما في حالة مسجد الجمعة بنامو بغينيا والموجود في منطقة غزيرة الأمطار، ولكن يلاحظ أن الشكل الدائري هذا يحتوي من الداخل على قاعة صلاة مربعة الشكل . أما بالنسبة لعمارة المساجد التقليدية في شرق أفريقيا (الصومال ، كينيا، تزانيا) فيتضح بها التأثر بنمط المساجد الأولى التي أقيمت في شبه الجزيرة العربية نظرا لقرب هذه المناطق - خاصة - من جنوب شبه الجزيرة العربية كاليمن ، وتظهر هذه التأثيرات في تصميم قاعات الصلاة المستطيلة ، التي متقدمها فناء صغير مكشوف يستخدم – فقط- بوضع الميضأة فيه (كما في مممجد فخر الدين بمقديشيو في الصومال ). وفي فترات زمنية تالية بدأت تظهر بعض التأثيرات الهندية على عمارة الممساجد في شرق أفريقيا، خاصة المساجد الهندية التي بنيت في القرن الرابع عشر الميلادي كمسجد نظام الدين خان ومقبرة غياث الدين طغلق بدلهي، وامتازت هذه التصميمات باستخدام القباب والأقبية ، ومثال ذلك المسجد الكبير بكلوه في تنزانيا . ج - عمارة المساجد في بيئة المجتمعات غير المسلمة (أمريكا كنموذج حديث ) نظرا لحداثة بناء المساجد في القارة الأمريكية فإن الكم الأكبر من هذه المساجد يقع داخل مبان شيدت أصلا لأغراض أخرى، وتوضح دراسة مسحية أجريت في الفترة ما بين عامي 1997و999ام أن ما يزيد قليلا على مائة مسجد من إجمالي عدد المساجد في أمريكا البالغ مائتي مسجد هو الذي شيد أساساً لهذا الغرض (112)، فقد منع فقر المسلمين من أهالي البلاد والمهاجرين في بايات القرن العشرين من بناء المساجد على أيدي معماريين متخصصين . أما بالنسبة للاتجاهات التصميمية التي تمت على أيدي مصممين، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين ، فيمكن تقسيمها الى ثلاثة اتجاهات مختلفة. * الاتجاه الأول : وهو يعكس ارتباط المهاجرين المسلمين ببلادهم ومجتمعاتهم الأصلية ، ومن أمثلة المساجد التي تمثل هذا الاتجاه المركز الإسلامى بواشنطن ، وهو يعكس الطابع المملوكي للمساجد بالقاهرة ، كما يحتوي على زخارف تركية وأندلسية ، والمركز الإسلامي بميتشجان وقام بتصميمه معماري أمريكي عام 1962م على الطراز والتفاصيل العثمانية ، التى تتضح في واجهاته ومئذنته ، ومسجد دار الإسلام بنيو مكسيكو الذي قام بتصميمه المعماري المصري حسن فتحي عام 1981م ، وهو مبني باستخدام الحوائط الحاملة والقباب والأقبية ، وهو أسلوب البناء نفسه الذي اتبعه حسن فتحي في قرية "القرنة"بالأقصر. الاتجاه الثاني: وهو محاولة للربط بين معايير التصميم الإسلامى التقليدية للمساجد وموقع البناء المختار للمسجد بالبيئة الأمريكية ، ومن أمثلة هذا الاتجاه المركز الإسلامي في مانهاتن الذي قام بتصميمه مؤسسة سكيدمور وشركاه عام 1991م لخدمة مسلمي نيويورك . الاتجاه الثالث : وهو اتجاه يرى عدم الاعتماد على الأشكال التقليدية لعمارة المساجد، ويهدف إلى خلق لغة معمارية جديدة تعبر عن وحدة الدين الإسلامي والتواصل بين أبنائه في كافة أنحاء العالم ، كما يراعي أن تكون مباني المساجد لغير المسلمين مباني واضحة أو على الأقل غير غامضة ، ومن أمثلة هذا الاتجاه المركز الإسلامي في "ألبكركيو" بنيو مكسيكو، والمركز الإسلامي بولاية أوكلاهوما، والمركز الإسلامي بافانزفيل بولاية انديانا . إن المشكلة الأساسية التي تواجه مصمم المساجد في بيئة المجتمعات غير المسلمة تتعلق بثقافة ونظرة أفراد المجتمع غير الإسلامي هذا للمسجد ( وللدين الإسلامي ككل بصفة عامة ، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة ، حيث يمثل النمط المعماري الإسلامي التقليدي نمطاً مألوف على الأقل من الناحية البصرية لشكل المسجد من الخارج ، في بيئة تتسم بطابع المخالفة الناجمة عن نماذج دينية وثقافية مغايرة . إن إشكالية بناء المساجد على وجه الخصوص دون أي نوعية أخرى من المباني تتضح معالمها من خلال معرفة المؤثرات البيئية والمجتمعات الموجودة في المجتمعات الغربية غير المسلمة ، فبعض هذه المؤثرات يتعلق بثقافة ونظرة المجتمع غير المسلم للمسجد وللدين الإسلامي بصفة عامة ، فلاشك في أن عمارة المساجد تمثل نمطا معماريا غير مألوف في هذه المجتمعات فعلي سبيل المثال فإن السمات البصرية لعمارة المسجد في أمريكا لابد من أن تواجه بيئة غريبة لها قاموسها التاريخي والبصري الخاص والممتد الجذور على ذلك فإن استجابة الخواص المعمارية للمسجد المبنى في البيئة والمجتمع الأمريكى لمحيطها البيئي إنما تتسم بطابع المخالفة الناجمة عن نماذج دينية وثقافية مغايرة (115)، فحيث يتعين أن يتوافق المسجد مع محدداته الشكلية الداخلي الخاصة فإنه لا يمكن تجاهل محيطه المحلى، ففي حين أنه يمكن تفهم الدور الذي تقوم به المآذن ونداء المؤذن في المجتمعات الإسلامية فمن البديهي أن ينظر للآذان في هذه المجتمعات الغربية على أنها وسيلة للإزعاج خاصة في ى صلاة الفجر. أما إذا أخذنا في الاعتبار القواعد والضوابط القانونية في هذه المجتمعات فنجد أنها تختلف كثيرا عما هو موجود في المجتمعات الإسلامية ، فبغض النظر عن نوعية الدين فإن توزيع المناطق المحلية في كندا ، على سبيل المثال ، يستلزم بعض الخصائص لبناء مباني العبادة ، إلى جانب أنه يشترط تحديد أماكن لوقوف السيارات وتنسيق الموقع وأسلوب مكافحة الحريق والتقارير البيئية (116)، وغير ذلك من المسائل التنظيمية الواجبة التطبيق والتي تشكل في كثير من الأحيان عائقا أو، على الأقل ، تؤخر من إصدار تراخيص بناء المساجد في هذه الجتمعات ، مما يوجب على الجهات أو الأفراد الذين يتصدون لعملية بناء المساجد أن يكونوا على دراية تامة بمثل هذه الجراءات والضوابط القانونية . أما فيما يخص المسلمين أنفسهم فإن نظرتهم للمسجد في هذا المجتمع الغربي بصفة عامة ، على الأقل من الناحية الوظيفية ، تختلف عما يشعر به المسلمون الذين يعيشون في المجتمعات الإسلامية ، فهناك مجموعة من الخدمات ينتظرها هؤلاء المسلمون حيث إن المسجد لا ينظر إليه كمكان للعبادة فقط بل يستخدم أيضا كمكان للتجمع والتعارف لذلك فإنه يتسع الدور الذي يجب أن يؤديه المسجد ليشمل أيضا الجوانب الثقافية والإجتماعية أيضا ، ومن المنطقي في هذه الحالة أن يحتوي التنظيم البرامجى لم هذه المساجد والمراكز الإسلامية على حزمة متنوعة من الخدمات والملحقات التى تتمثل في المدارس الإسلامية ومكتبات الاطلاع والقاعات المتعددة الأغراض (مؤتمراتأفراحعزاء)، الى جانب بعض المرافق الترفيهية ومنافذ بعض المواد الغذائية خاصة اللحوم والدواجن المذبوحة على الطريقة الشرعية. من هنا يجب أن يتعدى تصميم المسجد في هذه المجتمعات عملية نسخ وتقليد بعض العناصر المعمارية التقليدية من مآذن وقباب وعقود وما شابه الى رؤية أكثر عمقا تستلهم روح وقيم الإسلام بتصميمات لا تتعارض مع الضوابط الشرعية وإن كانت تتبنى حلولا تعتمد على التقنيات الحديثة في إطار دراسة وفهم التاريخ الثقافي والفني للمجتمعات غير المسلمة ، كل حسب خصوصيته الثقافية والمكانية ، فتلك المساجد لا تخدم فقط حاجات الجماعة المسلمة بل تحتضن أيضا بعض القيم الرمزية والرسائل الصامتة لدعوة غير المؤمنين بالدين الإسلامي للدخول فيه واعتناق مبادئه السامية . المسكن الإسلامى في البيئات الحضرية وغير الحضرية أولا. المسكن الإسلامي في البيئات الحضرية: أوجد المصمم المسلم من خلال الخبرات التي اكتسبها من عملية التحضر وبناء المدن نماذج للمسكن الذي يعبر عن احتياجات المسلم في مختلف بلاد العالم الإسلامي، وقد أدى تأثر المسكن العربي والإسلامي بالتوجيهات الدينية والعادات الشرقية خاصة عامل الخصوصية والستر، إلى جانب مراعاة العوامل البيئية والمناخية إلى تميزه ببعض الخصائص العامة توفرت أغلبها في المسكن القاهري، ويمكن تفصيلها فيما يلي (1): أ- وجود المدخل المنكسر حيث لا يؤدي إلى فناء المنزل مباشرة بل يوصل إلى رحبة مربعة ومنها إلى ردهة وتلك بدورها تؤدي إلى الفناء، وذلك حتى لا يتمكن أي عابر بالشارع أن يرى ما في داخل المسكن عند فتح الباب . ب- وجود الفناء المكشوف وهو يعتبر قلب الدار الرئيسي الذي تلتف حوله جميع العناصر والفراغات الرئيسية للمنزل ، وعادة ما كان يحتوي على حديقة ونافورة لتلطيف الجو داخل هذا الفناء، حيث كان يلعب دورا أساسيا كمنظم لدرجات الحرارة داخل المسكن . ج- غالبا ما كان يتواجد بالدور الأرضي تختبوش (أو إيوان ) وهو عبارة عن مساحة مسقوفة تستعمل للجلوس وتطل على الفناء الداخلي، وكان يستخدم لاستقبال الضيوف من الرجال . د- وجود المقعد بالدور الأول وهو عبارة عن مكان مخصص لاستقبال الضيوف من الرجال صيفا ويطل على الفناء الداخلي من خلال واجهة ذات عقدين يتوسطهما عمود، وكان هذا المقعد غالبا ما يواجه الشمال (أو ينحرف عنه قليلا في بعض الأحيان) من أجل استقبال الرياح المحببة التي عادة ما تأتي من الجهة البحرية. و- تميز البيت العربي بوجود قاعة رئيسية للرجال وأخرى للحريم ، وغالبا ما يأتي تصميم هذه القاعة على هيئة ايوانين يتوسطهما جزء منخفض يسمى بالدورقاعة وبه نافورة ، ويعلوها شخشيخة بالسقف يخرج منها الهواء الدافئ ليحل محله الهواء البارد الذي كان يدخل إلى القاعة عن طريق ملقف للهواء، أو عن طريق المشربيات والنوافذ التي تطل على الفناء الداخلي المظلل . هذه هي أهم العناصر الرئيسية المكونة للبيت العربي والإسلامي في البيئات الحضرية ، إلى جانب أنه كانت توجد في بعض البيوت حدائق السطح التي تسمح بالتمتع بالرياح الباردة والنوم خلال ليالي الصيف الحارة ، كما يوجد في بعض المنازل ، كما في العراق ، سراديب تحت أرض الأفنية الداخلية وكانت تستعمل خلال النهار صيفا، حيث إنها تكون أقل في درجات الحرارة مقارنة بالجو الخارجي (2). وفي هذا الجزء من الدراسة ليس هدفنا مناقشة أقسام المسكن الإسلامي أو وصف قاعاته وعناصره المختلفة وما حوته من جوانب جمالية أو زخرفية ، ولكن هدفنا الأساسي هو التعرف عن طريق الرؤية التحليلية على أهم المعالجات البيئية والمناخية التي روعيت في تصميم هذه المساكن ، واختلافها من بلد إلى آخر، مع اتفاقنا على أن العناصر الرئيسية المكونة للبيت الإسلامي كانت واحدة في مضمونها كما بينا عاليه , لذلك وقع اختيارنا على بعض البيئات الحضرية العربية المختلفة والمتباينة في ظروفها المناخية والثقافية للتعرف على أسلوب تصميم المسكن في كل منها . 1- دراسة تحليلية للمسكن في المدن الحجازية يقع إقليم الحجاز في المنطقة الغربية من المملكة العربية السعودية ، حيث الأراضي المقدسة المتمثلة في مدينتي مكة والمدينة المنورة ، كما يضم مدينة جدة الساحلية ومدينة الطائف ، والمناطق التي تقع فيما بين هذه المدن ، وينقسم المناخ في هذه المنطقة ما بين المناخ الحار الجاف كلما اتجهنا إلى الداخل ، كما في حالة مكة المكرمة والمدينة المنورة ، والحار الرطب كلما اتجهنا غربا واقتربنا من البحر الأحمر وتمثله مدينة جدة . المساكن في مدينة مكة المكرمة نظرا إلى قلة مساحة الأراضي المنبسطة حول المسجد الحرام وكثرة الجبال شديدة الانحدار، ومع رغبة السكان في القرب من المسجد الحرام ، وزيادة الطلب على السكن خصوصا خلال فترة الحج إلى جانب محدودية وسائل المواصلات في الماضي، فقد أدى هذا إلى أن تنشأ معظم المباني على كامل مسطح الأرض ، التي غالبا ما كانت صغيرة المساحة مما أدى إلى اختفاء عنصر الصحن الداخلي، وظهور الروشن والخارجة (الأسطح التي تقع في الأجزاء العليا من المنزل ) ليقوما بالوظائف الحيوية التي كان يؤديها صحن الدار (3). وقد أظهر الرفع المعماري للبيوت التقليدية بمكة المكرمة فيما بين عامي 1982 و 1986م من خلال مسح مستفيض للتراث المعماري بمكة في إطار النشاط العلمي لجامعة أم القرى - وجود الكثير من منافذ التهوية الرأسية الداخلية ، ولقد ساعدت فروق الضغوط بين فراغات الضيقة وفراغات البيوت الداخلية في دفع وتحريك الهواء داخل المدينة ، وبالتالي داخل المباني، ومما ساعد على المزيد من تحرك الهواء أن الرواشن الضخمة كانت تغطي أكبر المسطحات الممكنة من الوجهات. والأدوار الأرضية في بيوت مكة القديمة كانت تستعمل كمخزن مع وجود غرفة استقبال للرجال بجانب المدخل ، كما روعي أن يتم تصميم دهليز المدخل بمقاسات تسمح بوجود نعش الميت مع تغسيله في وجود الأفراد اللازمين حوله لاستكمال أعمالهم ، ورفعه والخروج به على أكتافهم من مدخل المنزل إلى الجبانة (5). أما مسطحات المعيشة فتبدأ من الدور الأول ، والدخول إلى غرفى المعيشة من خلال مدخل منكسر لتوفير أقصى قدر من الخصوصية داخل البيت ، ويتألف مسطح المعيشة من غرف ، عددها في العادة ثلاث متصل فراغيا وتطل على حوش داخلي (إن وجد) من جانب وعلى الشارع من الجانب الآخر، وتفتح بين الغرف نوافذ على شكل فتحات مثقبة في الحوائط لتحقيق غرضين هما: تسهيل حركة الهواء، وتوفير امتداد الرؤية في داخل مسطح المعيشة . ويمتد مسطح المعيشة في البيت المكي على عدة مستويات رأسية اعتمادا على حجم الأسرة ، مع وجود التراسات التي كانت تستعمل كمسطحات للنوم في ليالي مكة الحارة والتي تكاد تمتد إلى العام بأكمله ، وهذه التراسات تعرف باسم " الخارجة "، وكان لها أسوار تبنى من طوب خاص ملون يسمى " الشابورة ", مع ترك فتحات ضيقة بهذه الأسوار للتهوية وللرؤية مع توفير الخصوصية في الوقت نفسه ، كما تستخدم الخرجات لتجفيف الملابس والغسيل وقد تكون للعب الأطفال أو تجفيف الخضروات والحبوب (6). أما بالنسبة إلى خامات البناء فكان يتم الاعتماد على المواد المتوافرة محليا في كثير من مراحل البناء، فكان يستخدم للأساس " الدمار" وهو كسر الحجارة وتخطط الجدران بحيث تكون سميكة من أسفل وتقل من أعلى، أما خامات الجدران فكان يستخدم فيها الحجارة المأخوذة جبال مكة إلى جانب خشب العرعر، كما كان يستخدم في الأسقف الخشب الجاوي وهو مستورد من جزيرة جاوا بأندونيسيا، والاذخر وهو خشب معروف بمكة ، ومن خامات البناء بها منذ قبل الإسلام ، كما كانت تستخدم النورة (الجير) في أعمال التشطيب وكانت توجد في أماكن محيطة بمكة (7). المساكن في المدينة المنورة العمارة البيئيةفي المدينة المنورة كانت تتألف من منازل متصلة يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع هي (8): النوع الأول : هو المنزل ذو الفناء وهو من دور واحد أو دورين ، ويمثل أفضل أشكال المساكن المعروفة في البلاد الإسلامية العربية ، وهو فيما يبدو النموذج الأصلي فنى المدينة . النوع الثاني: هو المنزل ذو القاعة وهو من طابق أو طابقين وتلعب فيه القاعة أو مسطح الاستقبال دور الحوش الصغير الذي يفتح على السماء خلال مقطعه الأوسط من خلال غطاء قابل للفتح . النوع الثالث : هو منزل المشربية (الروشن) وهو من أربعة أو خمسة طوابق في صف متصل من المباني ذات المشربيات ، وأمام كل مسكن " لوجيا " كابولية خشبية رقيقة ، تبرز في الشوارع الضيقة لتوفر نوعا من الهواء معتدل البرودة ، وتسمح بالرؤية مع الاحتفاظ بالخصوصية البصرية للمسكن ، والغرف ذوات المشربيات تتمتع بفتحات عالية على الجانب المقابل لتسمح بالتهوية وباستقبال أشعة الشمس . ومن أشهر المناطق القديمة بالمدينة المنورة هي حارة الأغوات ، وكان يقع هذا الحي بالجهة الشرقية والجنوبية من الحرم النبوي، قبل إزالته في التوسعات الأخيرة للحرم ، وكان يبلغ عرض حاراته وأزقته ما بين ا - 3م بعضها مغطى بمبان سكنية ، كما أن بعض الأزقة غير نافذ والبعض ينتهي بساحة صغيرة تتجمع عليها عدة مداخل لمباني سكنية (9) . المباني السكنية القديمة منشأة بحوائط حاملة مقامة من الحجر البازلتي في الطوابق السفلى ومن الطوب للطوابق العليا مع عمل الأسقف من الخشب كما عملت الواجهات بأبراج (رواشن) محمولة على كوابيل ذات قطاع متدرج , وتستمر هذه الرواشن بكامل ارتفاع الطابق وتطل هذه المساكن – بصفة عامة - على الأزقة بواجهة صغيرة ويمتد المبنى بعمق إلى الداخل ولعل ذلك بهدف تعريض أقل مسطح من المباني للشمس . كذلك لوحظ أن بعض المبانى يبرز بالتدريج على الأزقة مما يلقي ظلالا على الحوائط لحمايتها من الشمس ، بالإضافة إلى أن هذا التدرج للمباني على جانبي الزقاق يساعد على سرعة تحرك الهواء الساخن فى الأزقة إلى أعلى مما يترتب عليه إحلال هواء بارد بدلا عنه. وفي العصر العثماني بدأت التأثيرات العثمانية تلاحظ في أسلوب تصميم المساكن ، ويظهر ذلك في وجود الصحن الداخلي والتختبوش المطل عليه وكذلك في نظام القاعات المكونة من إيوانين ويتوسطهما دورقاعة بارتفاع عدة طوابق وتغطيتها بفانوس (شخشيخة)، وهو النمط نفسه للقاعات الموجودة في البيوت العثمانية المصرية . المساكن في جدة تتضمن المراجع التاريخية إشارات واضحة إلى وجود منطقة استيطان تعتمد على التجارة تدخل ضمن منطقة جدة الحالية منذ أكثر من ألفي سنة ، أي قبل ظهور الإسلام بزمن طويل ، وفي بداية توسع الدولة الإسلامية أراد الخليفة عثمان بن عفان _ رضي الله عنه _ أن يجعل لمكة المكرمة منفذا بحريا لتجارتها ؛ فوقع اختياره على جدة التي حباها الله بمرفأ طبيعي ممتاز (10)، وأخذت جدة منذ ذلك الحين تستقبل التجارة الواردة إلى مكة المكرمة من أفريقيا ومن جنوب شبه الجزيرة العربية وبلاد الهند ومعظم المناطق التي وصل إليها المد الإسلامي. وترتفع المباني في جدة القديمة حتى أربعة وخمسة أدوار وأحيانا أخرى سبعة أدوار، وذلك استجابة للمناخ الحار الرطب؛حتى يسمح هذا الارتفاع بحركة الهواء خلال المباني، والمباني عموما من الطوب والحجر (المرجاني)، ويستخدم الجبس مع الحجر كمادة رابطة ، بينما الأرضيات والأسقف من الخشب ، وعادة ما يستخدم الخشب المستورد من الخارج ، وهذا انعكاس للطبيعة التجارية الدولية لمدينة جدة . والتصميم الداخلي للمسكن يسمح بحركة الهواء خلال الغرف ، إلى جانب أن غرف النوم والمعيشة توضع في الطوابق العلوية لإعطائها أكبر فرصة لمرور الهواء من خلالها، وبصفة عامة كانت تبنى المباني متباعدة عن بعضها وذلك للسماح بحركة الهواء من حولها ، ولإعطاء أكبر مسطح ممكن للمشربيات (الرواشن)، إلا أنه يستثنى من ذلك الوضع الأحياء المزدحمة التي تتلاحم فيها الكتل السكنية (11). ولما كانت منازل جدة العالية لا تحتوي على فناء، فإن غرفها كانت تتوزع حول بئر السلم أو منفذ تهوية عمودي متصل يمتد من الطابق الأرضي إلى السطح ، بحيث يتم تجمع الهواء البارد فيه ليلا، وفي ليالي الصيف الباردة قد تنام الأسرة على السطح الذي يحتوي في كثير من الأحوال على أماكن خاصة محجوبة على مستويات مختلفة وأسوار منخفضة مخرمة بأقواس مملؤه بمصبعات من الأشغال الخشبية ، أو بدرابزين ببرامق من الأسلاك المسحوبة ، يمتد حول حافة السطح لتوفير الخصوصية وللسماح للهواء في البارد بالمرور من خلالها (12). وفي عام 854ام زار جدة الفرنسي " تشارلز ديدييه " وأعجب - كمن سبقوه - بمنازلها الجميلة متعددة الطوابق ؛ بما تحويه من نوافذ خارجية كبيرة ، والتي تعد ظاهرة نادرة في البلاد الإسلامية حيث تمارس الأسرة حياتها بالكامل داخل البيت ، والتي تتيح للمرء بأن يشاهد ما يدور في الخارج كما تسمح للنساء بالاستمتاع بالهواء العليل دون أن يراهن أحد (13)، فكثرة أعداد النوافذ واتساعها هما الطابع المميز لمدينة جدة ، فالتهوية تعد أمرا ضروريا نظرا لطبيعة الجو الحار المشبع بالرطوبة . فقد كانت تحتوي منازل جدة على نوعين مختلفين من النوافذ : أولهما النافذة التقليدية إلى حد ما، والثاني هو " الروشان ". وكان يبرز عن واجهة المنزل وغالبا ما يكون مزخرفا ومنمقا . ومن الناحية العملية يعتبر الروشان نافذة تطل على الخارج وستارا يحجب ضوء الشمس الشديد الوهج في جدة ، وجزءا أساسيا من نظام تهوية المبنى، وقطعة من الأثاث الداخلي للمسكن ، بل وفي بعض الأحيان يكون امتدادا لبعض الغرف فوق الشارع المجاور. 2- دراسة تحليلية للمنزل اليمني تتميز المباني في منطقة اليمن بطابع متميز وفريد ذي ملامح محلية واضحة , وإن كانت تعتبر صياغة محلية للعمارة الإسلامية وفي الوقت نفسه لا تتشابه مع طرز العمارة الإسلامية في باقي البلاد الإسلامية الأخرى. ويقع اليمن في الجزء الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة العربية وينقسم إلى خمس مناطق طبيعية (14): أ- المنخفضات الساحلية لتهامة وتمتد بمحاذاة البحر الأحمر بعرض يتراوح ما بين 30-40 كم , ويتوافر في المنطقة الساحلية نبات القصب كأحد أهم مواد البناء. ب- سفوح الجبال والمرتفعات المتوسطة وهي المنطقة الواقعة بين تهامة ومنطقة المرتفعات الوسطى، ويتراوح ارتفاعها ما بين 200 – 1000م فوق مستوى سطح البحر وينتشر فيها الحجارة كمادة للبناء. ج- المرتفعات العليا المركزية وتشمل المرتفعات فوق 1000م ، وتمتد من مدينة " أب " في الجنوب حتى الحدود الشمالية مع السعودية ، وبين مدينتي " أب " و" صنعاء " العاصمة تقع المنطقة الأكثر ارتفاعا حيث تزيد ارتفاعات بعض قمم الجبال عن 3000م وتبلغ 3760 عند قمة جبل النبي شعيب . د- الهضبة الشرقية شبه الصحراوية وتمتد نحو الشرق بانحدار بسيط متدرج حتى ارتفاع 1000م . هـ- صحراء الربع الخالي وهي امتداد للهضبة الشرقية شبه الصحراوية . ونتيجة لاختلاف التضاريس وعوامل المناخ وطرق ومواد البناء من منطقة لأخرى فقد ظهرت نماذج مختلفة لعمارة المساكن في دولة اليمن ، ونحن في هذا الجزء من الدراسة سنركز على نمط المسكن التقليدي في المناطق الحضرية وأهمها مدينة صنعاء العاصمة . المساكن المتعددة الطوابق في صنعاء: تقع صنعاء في منتصف الجزء المرتفع من اليمن ، فتقع على ارتفاع 2350 مترا ( 9600قدم ) عن مستوى سطح البحر، لذلك فإن معدل الحرارة يتراوح بين 12 درجة مئوية ليلا و30 درجة مئوية نهارا في فصل الصيف ، أما في فصل الشتاء فمعدل الحرارة يتراوح بين 22و25درجة مئوية نهارا وبين 2 و 6 تحت الصفر في الليل (15). أ- مواد البناء: يبنى البيت التقليدي المتعدد الطوابق من بلوكات الحجر البازلت المنحوت بعمق 0.50 متر من سطح الأرض ومتر فوق سطح الأرض ، وتتكون الحوائط الخارجية لكل من الطابقين الأرضي والأول من الحجر الجيري مع وجود بعض الأحجار السوداء في أركان المبنى، ويسوى السطح الخارجي للحجر أو الفراغات الداخلية للحوائط بخلطة من الطين وكسر الحجارة ، أما الطوابق من الثالث وحتى السادس فتبنى من الطوب الطيني المحروق (16). ب- التنظيم الفراغي للمسكن : يؤدي المدخل إلى صالة كبيرة بارتفاع دورين م لا تحتوي على شبابيك وحولها غرف في مستويين ، تستخدم الغرف السفلية بالمستوى الأرضي كأماكن لتربية الحيوانات ، أما الغرف العلوية بالمستوى الأول فتستخدم كأماكن لتخزين الدقيق والحبوب والخضروات المجففة ويستخدم أحد الأركان في عمل طاحونة يدوية ، ويوجد سلم شديد الانحدار ذو درجات مرتفعة يؤدي إلى الديوان وباقي الغرف الموجودة بالمستوى الثالث وحتى السطح . والديوان عبارة عن غرفة كبيرة للاستقبال وتستخدم في الاحتفالات والمقابلات العائلية ، ويقع الديوان غالبا في الاتجاه الجنوبي لكونه دافئا في الشتاء بالإضافة إلى العديد من غرف المعيشة ( كالنوم والطعام وهي الأكثر خصوصية ) الموجودة بمختلف أدوار المسكن حتى سطح المسكن حيث يوجد " المفرج "، والذي تتراوح مساحته ما بين 12 - 18 مترا مربعا ، ويقتصر استخدامه على صاحب البيت وضيوفه الخصوصيين ، ويعتبر الديوان والمفرج أكثر غرف المعيشة ثراء في أثاثهما وزخرفتهما (17). ويلاحظ من التقسيم السابق للمسكن متعدد الطوابق أن الأدوار الأرضية من المسكن خصصت للخدمة العامة وكجناح استقبال ، أما الأدوار العلوية فقد خصصت للحياة العائلية الخاصة ، أي كلما اتجهنا لأعلى كلما زاد معدل الخصوصية أي أن المصمم قد وفر الخصوصية عن طريق اختلاف مناسيب الاستعمال وليس عن طريق الفصل الأفقي بين الاستعمالات الموجودة في المنسوب نفسه ، كما نرى على سبيل المثال في حالة المسكن القاهري القديم . ج- الواجهات والفتحات : تتميز المساكن التقليدية اليمنية بارتفاع أدوارها ما بين خمسة وتسعة أدوار (18)، وتقل في واجهاتها البروزات ، أو ربما تنعدم تماما وتتلاحم المباني على طول الشوارع بحيث تمثل في مجموعها حائطا وتطل أغلب المباني من واجهاتها الخلفية على حديقة أو بستان كبير، حيث الفناء في منازل صنعاء إلى حديقة خارجية تفتح عليها المنازل ، والشائع في بيوت صنعاء الحوش الذي ~يحيط المنزل من جميع الجهات ، خاصة في بيوت المدينة (19). ويبنى السفلي من المسكن وأحيانا حتى 13 م بالحجر الأبيض ويبلغ سمك الحائط ما يقرب من المتر، ويكون هذا الجزء عديم البروز والفتحات باستثناء المدخل وبعض المخرمات العلوية اللازمة للإنارة والتهوية . أما الجزء العلوي من الحائط فغالبا ما يبنى من الطوب المحروق المزخرف بمداميك من الطوب أو الحجر البارز، وتدهن هذه المداميك أو العناصر الزخرفية باللون الأبيض ، ويلاحظ أن الزخارف استخدمت على هيئة أشرطة أفقية لتحديد مناسيب الأدوار، وكلما ارتفعنا زادت الزخارف . أما الفتحات بالواجهات فقد تنوعت وتغيرت أحجامها، ويمكن تقسيم هذه الفتحات إلى (20): أ- فتحة باب المدخل بعرض يتراوح بين 1.20 و 1.40 متر وبارتفاع منخفض نسبيا يتراوح بين 1.60 و 1.80 م ، وتعلوها فتحات صغيرة تسمح بدخول الهواء والإضاءة ، ويوجد في باب المدخل عنصران مهمان هما المدقة والمجر: والمدقة عبارة عن قطعة حديدية صغيرة تتكون من جزأين أحدهما ثابت والآخر متحرك ، وهما مثبتان في منتصف الجزء العلوي للباب ليطرق عليه القادم لزيارة المسكن ، أما المجر فهو ثقب في الجزء العلوي للباب به خيما يرتبط بمزلاج الباب وموصل لجميع أدوار المسكن عن طريق ثقوب رأسية في أسقف الأدوار المختلفة يخترقها هذا المجر، وذلك لفتح الباب من أي دور، نظرا لكثرة عدد طوابق المسكن ، مع وجود نوافذ للمراقبة لمعرفة الطارق . ب- تتنوع النوافذ في شكلها وحجمها وزخارفها، فهي إما نافذة تعلوها قمرية نصف دائرية أو نافذة تعلوها قمرية مستطيلة ، أو نافذة تعلوها قمريتان دائريتان ، ووظيفة القمرية المصنوعة من مادة الجص أو الزجاج هو إدخال الإضاءة ، ويلاحظ وجود جزء بارز من الخشب يسمى " الكنة " لحماية النوافذ من الأمطار وهذا النوع يستخدم في الأدوار العلوية . ج - أما المشربيات فهي عبارة عن نافذة بارزة عن الحوائط الخارجية بمقدار من 0.70 إلى 0.90 متر ومثبتة من أسفل بكابولي، وغالبا ما تصنع من خشب الطنب البلدي ووظيفتها التهوية وإمكان رؤية من الداخل للخارج فقط , وبصورة أساسية من خلال فتحة في قاعدة المشربية السفلية . د- أما فتحات مبرد المياه فهي تتمثل في نافذة صغيرة بارزة عن الحائط الخارجي ومبنية من الطوب أو الحجر، وترتكز على كابولي خشبي وهي ممتدة بحيث يسمح للتهوية من ثلاث جهات (الأمامية والجانبيتين )، حيث يستخدم لتبريد المياه بوضعها في أوان مسامية ، فتساعد التهوية على عملية البخر من السطوح المسامية وبذلك تؤدي إلى التبريد المطلوب ، كما يستخدم هذا العنصر لحفظ اللحوم ، لذلك فهو يوضع بالواجهة الشمالية ، أي أنه يقوم بوظيفة الثلاجة بالمنازل العصرية . و- بالنسبة إلى فتحات دروة السطح فهي فتحات معقودة من الطوب المحروق بداخلها فتحات صغيرة لإمكان الرؤية من الداخل إلى الخارج فقط، حيث يصل ارتفاع هذه الفتحات لحوالي 1.50 م لتوفير الخصوصية للنساء خاصة عند نشر الغسيل . ز- أما الشاقوص فهو فتحة صغيرة لتهوية الغرف توجد في منسوب عال ولها غطاء داخلي، ويزداد اتساع الفتحة كلما اتجهنا للداخل ، أما وظيفتها فهي إخراج الهواء الفاسد والأدخنة من الغرف ، أي أنه يقوم بدور مروحة الشفط في المنزل الحديث . د- أسلوب الصرف الصحي بالمسكن : بالنسبة إلى الفضلات السائلة فيتم توفير مجار أرضية لها تخرج من خلالها لأسفل على سطح معزول مدهون بالجير (النورة) وغالبا فإنها تتبخر قبل أن تصل للأرض ، أما الفضلات الصلبة فتنزل لأسفل على حجر مائل للخارج حيث تجف بسرعة بعد نزولها في غرفة مخصصة لذلك ، وقديما كانت تجمع الفضلات الصلبة وتستعمل وقودا، خصوصا للحمامات العامة ، وتستخدم كسماد في بعض المناطق الأخرى (21). 3- دراسة تحليلية للمنزل الخليجي تمثل العمارة الخليجية القديمة ، خاصة في فترة ما قبل ظهور البترول ، شخصية فنية متميزة تتوافق مع طبيعة البيئة والمناخ الحار الرطب ومع طبيعة العادات والتقاليد لدى القبائل العربية التي نزحت من الجزيرة العربية واستقرت في منطقة الخليج ، وكذلك مع الثقافة الإسلامية وتعاليم الدين الإسلامي نتيجة قربها من مكة المكرمة مركز الإشعاع الديني والخروج الأول للإسلام . تعتبر البحرين هي المركز الحضاري والثقافي لمنطقة الخليج العربي، ومنها امتدت المؤثرات العمرانية ذات القيمة التاريخية لتؤثر على عمارة ما قبل ظهور البترول في منطقة الخليج العربي (22)، وتشمل منطقة البحرين ودولة الإمارات العربية وقطر وسلطنة عمان والكويت وكذلك المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية . أ- أنواع البيت الخليجى: هناك ثلاثة أنواع رئيسية من البيوت في الخليج نتيجة للمؤثرات الحضارية والاقتصادية ، وهذه الأنواع هي (22): 1- البيت الكبير: خاص بكبار التجار والأعيان ، وعادة ما يكون قريبا من البحر، ويتألف من عدة أقسام متصلة بعضها ببعض عن طريق ممرات وأروقة ، وهي قسم المجلس (الديوانية ) ويطل على فناء الديوانية ، وهذا الجزء من المنزل خاص بالرجال والضيوف واستقبال الزوار. ثم فناء الحريم ، وهو الحوش الخاص بأهل البيت والخدم ، وتطل على هذا الفناء غرف النوم ومجلس النساء، ويتصل بفناء آخر هو فناء المطبخ الذي يتصل بالمطبخ والمخزن والفرن وغرفة الغسيل . والقسم الأخير هو قسم المواشي، وهو يتمثل في مساحة من الأرض لتربية الأغنام ، ولها مدخل خاص لإدخال الغنم واخراجها للرعي، وعادة ما يطل على المطبخ ، ولكن لا يتصل بقسم الحريم . 2- البيت المتوسط : وهو خاص بالحرفيين وصغار التجار، وعادة ما كان يتكون من فناءين أساسيين : الأول للرجال ويطل عليه المجلس (الديوانية)، والثاني للحريم ويطل عليه غرف النوم والمطبخ ، ثم حوش للغنم وأحيانا يكون منفصلا أو ضمن حوش الحريم حسب الحالة الاقتصادية للمالك . 3- البيت الصغير: وهو خاص بالبحارة ، ويتألف من فناء واحد تطل عليه الغرف وتتم فيه جميع الأنشطة المنزلية ، ولكن يتم فصل مدخل الديوانية عن مدخل البيت أو المداخل الأخرى، إن وجدت ، لتحقيق الخصوصية . ب- المعالجات المناخية والبيئية في المسكن الخليجي: قبل أن نتعرف على أهم المعالجات المناخية والبيئية بالبيت الخليجي نعطي في البداية فكرة مختصرة عن الظروف المناخية القاسية بهذه المنطقة . فاذا أخذنا البحرين والكويت نموذجا لهذه الظروف المناخية الصعبة فسنجد أن درجة الحرارة المتوسطة فى خلال شهور الصيف في البحري هي 40 درجة مئوية ، أما في الكويت فتتراوح من 40 درجة مئوية . أما في الكويت فتتراوح من 40 – 51 درجة مئوية. أما اتجاه الرياح الباردة فتهب من الجهة الشمالية والشمالية الغربية خلال فصلي الشتاء والربيع ، وفي الصيف تهب من الجهة الجنوبية الشرقية ، وتكون محمل بالأتربة والعواصف وتساهم في زيادة درجات الحرارة ، والأمطار في الشتاء قليلة, ففي البحرين تتراوح من 33 إلى 39 ملم أما في الكويت فمعدل سقوطها حوالي 28ملم ، وتكمن المشكلة المناخية الأساسية في منطقة الخليج العربي، إلى جانب ارتفاع درجة الحرارة ، في ارتفاع الرطوبة النسبية والناتجة عن تبخير المسطحات المائية بالخليج العربي حيث تتراوح بين 95% و00ا% خلال شهور الصيف ، وحوالي 80% خلال شهور الشتاء (24) , (25). ولجابهة الارتفاع الكبير في درجات الحرارة والرطوبة في هذه المنطقة تتجه استراتيجيات التصميم إلى محاولة الحماية من الإشعاع الشمسي مع إيجاد أساليب للتهوية المستمرة للتغلب على الرطوبة العالية ، ويمكن توضيح هذه المعالجات التصميمية فيما يلي (26): 1- استخدام الحوائط السميكة التي تتراوح بين 50 و80 سم ، وهي مبنية من الحجروالطين ، وكذلك استعمال الأسقف السميكة المغطاة بالطين ، مما يؤدي الى العزل الحراري صيفا والاحتفاظ بالبرودة شتاء. 2- استخدام الأفنية الداخلية المظللة بالأشجار التي تتوسط الغرف مع وجود الأجزاء المظللة التي تطل عليها كالليوانات ، وهي توفر الظل فتستخدم للجلوس خلال النهار. 3- استخدام غرف العريش المبنية فوق الأسطح في النوم ليلا . 4- استخدام ملاقف الهواء على صور وأشكال متعددة ، كالكاشتيل والبادجير والدرايش . ج-مواد وطرق الإنشاء: استخدم الإنسان الخليجي المواد المتوافرة في البيئة بنسبة 70%، وجرى استيراد الباقي من الدول المجاورة (27)، لذلك فقد استخدمت الأحجار كمادة أولية كانت تجلب بالقرب من البحر بواسطة الدواب بالإضافة إلى استخدام الطين كمادة لاصقة ، فضلا عن استخدام الأخشاب المستوردة وسعف النخيل في عمل الأسقف والأبواب والشبابيك . وتمر عملية البناء بعدة مراحل (28): الأولى يتم فيها تخطيط الأرض بالجير حسب طلب صاحب السكن ، وكان يضطلع بذلك البناء صاحب الخبرة هذا المجال على الأرض مباشرة . والمرحلة الثانية تحفر فيها الأرض للأساسات بعمق يتراوح بين 50 و00ا سم حسب طبيعة الأرض وكانت الأساسات يجرى عملها من الصخر والطين والارتفاع بها حتى تصل إلى أعلى من مستوى الأرض بحوالى 30سم تقريبا . أما المرحلة الثالثة فتبدأ ببناء الحوائط بسمك من 50- 80 سم من الصخور والطين أيضا كمادة لاصقة ، وعادة يزود الطين بالتبن لزيادة قوى التماسك به ، وعند الوصول إلى مستوى أعتاب الأبواب والشبابيك كانت تعمل لها أعتاب (تسمى الدراوند) من أخشاب الجندل أو من جذوع النخيل ، وتثبت بالجص (الجبس) والحبال . وبعد أن يكتمل الحائط إلى منسوب السقف كان هذا يصنع من خشب الجندل الذي يوضع فوق الحوائط كل 25سم ، ويثبت بالحشو والجبس ويطلى بالقار، وبما أن طول عروق الخشب كان لا يزيد على 4 أمتار، لذلك كان عرض الغرف لا يزيد على 3.50 م من الداخل ، ثم تغطى العروق برقائق خشبية تسمى الباسجيل على هيئة شبكة ، ثم يوضع فوق الباسجيل حصيرة من القصب المتشابك كفرش على طبقتين وتسمى البادية ، ثم تغطى بطبقة من الطين بسمك 10 سم ويفرش فوقها طبقة عازلة للرطوبة من الرماد بسمك 15سم ، (وهذه المادة ناتجة عن حرق روث الإبل وسعف النخيل )، ثم تغطى الطبقة العازلة بطبقة من الطين بسمك 10سم مع عمل ميول للأمطار ووضع مزاريب لتصريف الأمطار. من نماذج العمارة الخليجية الحضرية بسلطنة عمان يشكل المعمار العماني التقليدي تراثا معماريا ذا طابع متميز ينبع من البيئة الجغرافية والمناخية والثقافية لعمان ، كما تأثر أيضا باتصاله بفنون بعض الحضارات الأخرى التي كان لها اتصال حضاري أو تعامل تجارى مع أهل عمان على مر التاريخ . وسنحاول - في إيجاز - أن نعرض لأنماط تصميم المباني السكنية في العاصمة العمانية مسقط ، لإلقاء الضوء على عمارة المساكن الحضرية في عمان كجزء متميز من عمارة المساكن الخليجية . المسكن ذو الفناء الداخلي هو أحد أنماط المساكن التي وجدت في عمان سواء في المناطق الحضرية كمسقط أو المناطق غير الحضرية كما في " بخا " و " كمزار " بمنطقة مسندم . ويأتي استخدام الفناء الداخلي في مختلف عمائر الشرق منذ القدم كحل يوفر الخصوصية لأهل المسكن وكرد منطقي على الظروف البيئية القاسية بحرارتها أو ببرودتها . والبعض يرى أن البيوت العمانية ذات الأفنية تختلف عن مثيلاتها التي في المنطقة الشمالية من الخليج العربي، فهي أقرب إلى أشكال البيوت التي في زنزبار أو شرق أفريقيا (29)، وإن كان النمط الشرقي العربي له بصمة . واضحة على المنازل العمانية التاريخية ، ولا يزال في مسقط نفسها حوالي واثنى عشر بيتا تم بناؤها ما بين أوائل وأواخر القرن الثامن عشر، وكل هذه البيوت ذات المظهر الخلاب المتناسق لها أفنية في وسطها تحيط بها المباني، وهو ما ذكرته الدكتورة سعاد ماهر: أن بيوت مسقط الأثرية التي لا تزال باقية من غرب مسقط إلى شرقها هي اثنا عشر دارا (30)، وتوجد منها ستة منازل بديعة بنيت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر يملكها آل بوسعيد، ولكل منها فناؤه الداخلي، وفيما يلي أسماء الاثني عشر بيتا الموجودة بمدينة مسقط (31): 1- بيت جريزة ويعتبر أكبر المباني وأجملها. 2- بيت السيد شهاب بن فيصل . 3- بيت الزواوي. 4- بيت فرنسا . 5- بيت السيد عباس بن فيصل . 6- بيت راتسلى. 7- ييت البير. 8-بيت السفارة الهندية (سابقا). 9- بيت مغب . 10- بيت السيد نادر بن فيصل . 11- بيت السفارة الأمريكية (سابقا). 12- بيت السفارة الإنجليزية . وقد كانت هذه البيوت تعتبر حتى أوائل القرن العشرين ضمن العمارات الحربية , ذلك لأن تصميمها المعماري كان يلاحظ فيه أن يكون القصر أو الدار قلعة يمكن أن تحمي نفسها وقت الحاجة . أما إذا انتقلنا للحديث عن سور مطرح في مدينة مسقط فنجده يقع في قبالة خليج عمان مباشرة ، والمبانى القائمة فى منملقة السور يغلب عليها الطابع السكني ,وعددها يزيد على 8ا2منزلا، منها 70 منزلا تتميز بأهمية أثرية نابعة من التراث والتاريخ العماني، كما يضم السور في داخله مسجدين ويعتبر سور مطرح أحسن مجمع معماري ذي طابع معماري إسلامي ليس في سلطنة عمان فحسب ، بل على مستوى الخليج العربي. ويرجع بناء سور مطرح لجماعة " اللواتيا " إذ بني بوساطتهم قبل حوالي 400 سنة على شكل مستطيل أبعاده 100-60 مترا تقريبا، وأقدم المباني التقليدية عمرها حوالي 150 عاما، وتم تصميم المباني وفقا للنمط العربي الإسلامي. وهناك 30 منزلا شيدت وفقا للنظم الحديثة ، وواجهات السور الخارجية تكونوا واجهات المنازل المغطاة بالمشربيات والمقرنصات والزخارف الفريدة الرائعة إلى جانب وجود الشرفات التي تطل على البحر ومصممة بأسلوب يتيح استقبال أكبر كم من نسيم الهواء الأتي من جهة البحر، وللسور بوابتان رئيسيتان تؤديان إلى أزقة متعرجة ضيقة لا تسمح بمرور حركة السيارات . إن موقع سور مطرح واطلالته على ساحل خليج عمان فرضته علاقة جماعة اللواتيا التجارية مع الدول المجاورة وإيران وشبه الجزيرة الهندية ، حيث إن ركوب البحر حينذاك كان وسيلة الاتصال الوحيدة المتوافرة بالإضافة إلى رخص تكلفتها، وهذه العلاقة التجارية اتسعت لتشمل الجوانب االثقافية والاجتماعية ، لذلك توجد الكثير من الزخارف المعمارية المستعملة في هذا السور موجودة في أماكن متفرقة من شبه الجزيرة الهندية ، كما يرى البعض أن العديد من المباني القديمة الموجودة في حي مطرح القديم مزجا بين العمارة العمانية التقليدية وعمارة حوض البحر الأبيض المتوسط (32). إن سور وحي مطرح يعتبران أحد الأمثلة المعمارية الحضرية التي تعد انعكاسا ق افرازا تلقائيا للموقع الجغرافي المتميز لعمان ، حيث جعلها من ناحية ملتقى للعديد من الحضارات المختلفة ، وكان على أهلها بحكم ميلهم الطبيعي للتجارة أن يستوعبوا هذه الحضارات مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بالهوية والطابع العربيين الإسلامي لسلطنة عمان . 4- دراسات تحليلية للمسكن العراقي لقد حاول البناؤون جعل المسكن العراقي التقليدي ملائما لعوامل كثيرة تحدد تخطيطه وشكله العام ، منها المناخ وأسلوب الحياة الاجتماعية والعائلية وكذلك الحالة الاقتصادية للأفراد والمواد المتوافرة للبناء، لذلك تغيرت وتبدلت هذه البيوت باختلاف المناطق التى بنيت فيها . فالبيت العراقي في الشمال (المنطقة الجبلية) يختلف عن البيوت في المنطقة السطى ذات الجو الصحراوي، وهذه تختلف عن المنطقة الجنوبية التي ترتفع فيها درجة الرطوبة ، كما أن مادة البناء اختلفت من منطقة لأخرى (33). ويتشابه البيت البغدادي أو الموصلي على سبيل المثال في المعالجات البيئية مع ما هو سائد في مناطق كثيرة من العالم العربي أو الإسلامي، ويمكن حصر مكونات البيت العراقي الحضري القديم فيما يلي (34) , (35): 1- المدخل : يكون لمدخل البيت (المجاز ) باب آخر يؤدى إلى صحن الدار ولا يكون مقابلا للباب الخارجي (الذي يكون على الشارع مباشرة ) بل متجها نحو اليمين أو اليسار حسب وضع صحن الدار الذي يفتح فيه ، وفي هذا المجاز أحيانا سلم خاص للضيوف يصعد الضيف بواسطته إلى قاعة الضيوف المطلة على الشارع ، وهذه الغرفة تكون كبيرة نسبيا ونوافذها الخارجية بارزة عن واجهة البيت وتسمى بالشناشيل بمعنى مقعد الشاة . 2- الفناء (الحوش): وهو مربع أو مستطيل الشكل وتحيط به أجزاء البيت ، وغالبا ما يتم تبليطه بقطع الحجارة المصقولة وتتخلله حديقة صغيرة أو نافورة ، وفي كثير من الأحيان يكون أسفله السرداب (البدروم )، لذا نلاحظ وجود فتحات للإنارة والتهوية بالفناء، وتتعدد الأفنية في بيوت الأغنياء إلى فناء خارجي كبير (الحوش البراني) وفناء داخلي أصغر. 3- الإيوان : وعلى جانبيه غرفتان مدخلهما من مقدم الإيوان ، وهو يمثل محطة انتقال ما بين الغرف الجانبية وبين الفناء، وفي الإيوان يكون جلوس أهل الدار في أكثر أيام السنة وتقام فيه حفلات الزواج والختان ويستقبلون فيه الضيوف. 4- السرداب : قلما يخلو البيت من سرداب أو أكثر , فإن حر الصيف حملهم على أ يتخذوا السراديب ليقيلوا بها وقت الظهيرة والذي ساعد على اتخاذ السراديب في مدينة الموصل هو طبيعة الأرض الصلبة وبعدها عن مستوى ماء دجلة فلا تتسرب إليها المياه الجوفية مهما كان عمق السرداب , وكانت بعضها تتخذ تحت فناء الدار , وتتم تهوية السرداب بوساطة مجار هوائية عمودية مبنية داخل الجدار السميك تسمى " بادجير " , ولهذه المجاري الهوائية فتحات في أعلى السطح موجهة نحو اتجاه الريح السائد في المنطقة ، فهي في بغداد الجهة الشمالية الغربية ، وقد يوجه هواء أحد المجاري إلى حفرة مبنية تحت أرضية السرداب تسمى " زنبور " يثبت على فتحتها مشبك من خشب أو حديد يوضع عليها قلل الماء وبعض الفواكه بغرض تبريدها في الصيف . والنظرية التي تتم على أساسها تهوية السرداب ذات شقين (36): أولا: عندما تكون سرعة الريح ذات قوة دافعة معقولة فتدفع الهواء البارد إلى أسفل (خلال الملقف) فتزيح الهواء الساخن إلى أعلى ليخرج من الفتعات العلوية في السقف المقبي للسرداب . ثانيا: عندما يكون الهواء ساكنا والحرارة شديدة ففي الغالب يكون هناك فرق محسوس بين درجة الحرارة في الحوش والخارج ، حيث يكون الحوش أبرد ( للظل والشجروالنوافير) والهواء البارد أثقل وزنا فيهبط من خلال الفتحات العلوية في سقف السرداب ، في الوقت الذي يزيح فيه الهواء الساخن إلى أعلى من خلال فتحة الملقف السفلية . 5-الرهره : وهو أقل ارتفاعا من السرداب ويتميز عنه بأن قسما منه واقع فوق مستوى الفناء والقسم الآخر دونه ، وعادة يكون تحت قسم من الأجنحة ، والرهره عادة تكون أرضيته وجدرانه مبلطة بقطع من المرمر وتحتوي جدرانه على منافذ التهوية الجدارية (ملاقف الهواء)، وغالبا ما يتخلل أرضيته ويستعمل لقضاء فترة القيلولة في فصل الصيف . 6- الأروقة : الرواق نظام معماري فرضته الظروف المناخية فهو يهييء مجالا للانتقال يحمي من أشعة الشمس صيفا ومن المطر شتاء، والرواق يساعد على حجب الشمس في فصل الصيف (لأنها تكون مرتفعة) ويساعد على دخولها في فصل الشتاء (لأنها تكون منخفضة)، والأروقة تكون عادة أمام الغرف وحول الفناء، وهي قائمة على أعمدة مرمرية وأقواس مدببة أو نصف دائرية وسقفها على شكل عقود نصف كروية وقليلة الارتفاع . 7- سطح البيت : ويوجد في سطح البيت غرفة صغيرة (بيتونة) يجمع فيها فرش المنام في موسم الصيف ، حينما ينام أهل البيت فوق السطح ، كما يوجد في السطح أيضا بيت للطيور الأليفة ، ومنها الحمام الذي يهتم أهل بغداد بتربيته . 8- مواد البناء: يبنى البيت الموصلي بالحجارة والجص ، وتتخذ فيه من المرمر مداخل الأبواب وأقواس الأروقة والأواوين وفتحات الشبابيك القمريات ، كما تنحت منه الأساطين الجميلة التي ترتكز عليها الأقواس كما تبلط أرضية الدار بالمرمر كذلك . وكان يزين أعلى الأعمدة تيجان تمثل أزهارا وأشكالا هندسية نافرة فيها، والمرمر متوافر في شمال مدينة الموصل وغربها، كما أن أحجار البناء كثيرة ظاهر المدينة ، وبعضها كان يؤخذ من البنايات القديمة المتهدمة ، ويصنع الجص في الموصل من الزكور والحجارة وكذلك النورة (الجير) التي يثبت بها قطه الرخام ، أما الآجر فكانوا يستعملونه في بناء القباب والمنائر وهو قليل الاستعمال (37). 5- دراسة تحليلية للمسكن بمدينة رشيد المصرية تتميز بيوت مدينة رشيد الأثرية بطابع تصميمي ومعماري يختلف اختلافا واضحا عن بيوت القاهرة الفاطمية ، لذلك فقد وقع اختيارنا عليها لتوضيح أهم المميزات الفنية والتصميمية لبيوت رشيد، وتأثير العامل البيئي المحلى في 0تصميم بيوتها الأثرية . تقع مدينة رشيد على الضفة الغربية لفرع رشيد عند مصب النيل في البحر المتوسط علىمسافة 65 كم تقريبا من شمال شرق مدينة الإسكندرية ، وقد نالت رشيد شهرة كبيرة أيام الحملة الفرنسية على مصر بعد العثور على حجر رشيد داخل قلعة قايتباي (38). ويمكن تحديد المميزات الفنية والمعمارية لمنازل رشيد فيما يلي (39): 1- يتكون كل منزل من ثلاثة أو أربعة طوابق ، أسقفها من الخشب ،واستخدم نظام الأسقف المتعددة المستويات ليزداد تماسك البناء، كما استخدمت الكوابيل الخشبية لحمل البارزات والأدوار العليا التي يتجه بروزها نحو الخارج بالتدريج ، كما استخدمت الأعمدة في الزوايا الخارجية لحمل البارزات أو السلالم. 2- تميز الطابق الأرضى لهذه المنازل باحتوائه على عدة عناصر معمارية كالوكالة (الشادر) لتخزين البضائع ، والإسطبل ، وهو مكان مخصص لدواب صاحب المنزل ودواب ضيوفه وله باب مستقل , وسبيل لسقاية الماء وصهريج يقع أسفل المنزل ويستخدم لتخزين المياه لخاصة لسكان لمنزل. 3- خصص ألدور الثاني للرجال ويسمى بالدهليز، وغالبا له باب مستقل تتوسطه دورقاعة وتحيط به عدة حجرات ، أما الدور الثالث فخاص بالحريم ويطلق عليه الهدير (أي مكان النوم)، وغالبا ما تصطف حجراته حول قاعة رئيسية يطلق عليها الإيوان ، وغالبا ما يوجد بواجهة هذه القاعة محراب من القاشاني كما في منزل الأمصيلي. 4- وجود غرفة بالدور العلوي تطل على الناحية البحرية كانت مخصصة للإقامة في فصل الصيف أطلق عليها القصر العالي، خاصة مع خلو هذه المنازل من الفناء الداخلي. 5- تشتمل منازل رشيد غالبا على حجرة أساسية بالدور الثالث تسمى حجرة الأغاني، امتازت بوجود دواليب خشبية في أحد حوائطها تعلوها خورنقات وقواطيع من خشب الخرط ، ويفتح أحد أبوابها على سلم يؤدي إلى طابق يعلو هذه الدواليب أسفل السقف كان يستخدم للراحة ، وقد استعمل الفنان العاج والصدف في تطعيم هذه الدواليب الخشبية ، وسميت بالأغاني لجلوس سيدات المنزل بها لسماع ومشاهدة فوق الطرب . 6- تتميز بيوت رشيد باستخدام السقوف الخشبية لتخفيف الضغط عن السقف الحامل ، وعمل مزاريب بالأسطح لتصريف مياه الأمطار، كما حرص المصمم على عمل الدواليب الحائطية (ذات دلفة أو دلفتين مزدانتين بالزخاوف المختلفة ). 7- تتميز واجهات بيوت رشيد باستخدام الطوب المنجور المطلي باللونين الأحمر والأسود بالتبادل فى زخرفة الواجهات ، مع استخدام الكحلة ذات اللون الأبيض كمونة بارزة بين المداميك ، وهذا ما يسمى بالطوب المنجود المكحول ، كما تميزت الواجهات باستخدام المشربيات والبارزات والشبابيك الخرط بجميع أنواعها الصهويجي أو الميموني بجميع دوجاته. ثانيا: المسكن الإسلامي في البيئات غير الحضرية . عند البحث عن العلاقة بين البيئة وتصميم المسكن في العالم الإسلامى يجب ألا نغفل عن المسكن في المناطق الريفية في البيئات غير الحضرية والتي كانت تعبر بتلقائية عن العمارة في بعض المجتمعات المحلية الصغيرة التي يوجد بينها وبين بعضها فروقات اجتماعية وثقافية ومناخية ، على الرغم من أن هذه المجتمعات ربما تكون موجودة فى بلد واحد. ففي مصر على سبيل المثال نجد في شمال الدلتا والمناطق الساحلية حيث المناخ ممطر نسبيا كان استعمال البوص والجريد لبناء المساكن بأسلوب الأكواخ المخروطية الشكل حتى تساعد على طرد ماء المطر وعدم تجمعه على الأسقف، أما في جنوب الدلتا وعموم الوادي فإن الخامة المحلية المستعملة للبناء هي الطوب النيء (في مرحلة ما قبل بناء السد العالي) حيث كانت المادة الأساسية السائدة في القرى التي تقع على جانبي النيل ، واذا ما توغلنا جنوبا إلى الصعيد المصري يزداد تأثير حرارة الشمس ، ويكون من الضروري إيجاد معالجة معمارية لمواجهة الحر الشديد ، لذلك كان القبو والقبة يستخدمان كتغطية للغرف والفراغات الداخلية ، أما في أطراف الوادي وهوامشه الصحراوية ذات الطبيعة الرملية فإن الحجر يحل محل الطين كمادة بناء، حيث تزدخر مرتفعات وتلال الهضبتين وجبال الصحراء الشرقية بأنواع مختلفة من صخور الجرانيت والأحجار الرملية والجيرية ، والتي كانت بالنسبة الى قدماء المصريين المادة الرئيسية في بناء المعابد أو في النحت بصفة عامة. وبالرغم من هذه الاختلافات التي تبدو قائمة بين شعوب العالم إلإسلامي والتي يمكن رصدها ، فتظل بعض الثوابت والظواهر تتكرر في هذه التجمعات الريفية ، حيث عادة ما يجمع المسكن بين مكان المعيشة والراحة وأيضا مكان العمل وتخزين الغذاء، كما يتم الحرص على الفصل بين الساء والرجال إلى جانب عادة الكرم وحسن الضيافة ، ويلاحظ تأثير ذلك على تصميم المسكن ، خصوصا في تعدد المداخل ووجود غرفة الاستقبال الخاصة بالرجال . وفيما يلي سنحاول أن نعطي أمثلة متنوعة بقدر الإمكان من بيئات وبلاد إسلامية تعبر عن تأثير العوامل المحلية والبيئية والمناخية في تصميم المسكن والتجمعات السكنية في البيئات غير الحضرية . 1- مساكن النوبة - جنوب مصر تقع النوبة في جنوب مصر ما بين الحدود مع السودان جنوبا ومحافظة أسوان شمالا (خط عرض 24 درجة شمالا)، وتمتاز هذه المنطقة بدرجات الحرارة العالية جدا مع الجفاف الشديد ، مع التباين الكبير في درجات الحرارة ما بين الليل والنهار والشتاء والصيف. والبيت النوبي يحتوي على مدخلين : أحدهما للزوار والآخر للماشية وأهل البيت ، وكمبدأ عام فإن المدخل الرئيسي يواجه نهر النيل ، سواء كان المسكن على الضفة الشرقية أو الغربية من نهر النيل(40)، ويؤدى المدخل إلى دهليز له بابان : أولهما يفتح على المضيفة والآخر يؤدى إلي الحوش ، الذي يعتبر العنصر المعماري الأساسي في المسكن النوبي، تلتف حولـه غرف المسكن المختلفة ، وتطل بفتحاتها عليه ، فيما عدا المضيفة (المندرة) حيث تفتح نوافذها على الخارج ولها سقف مرتفع غالبا ما يكون على شكل قبو، وبالنسبة للفتحات فهي عبارة عن طاقات صغيرة وضيقة وذلك للحماية من الشمس وتوفير الخصوصية ، وبالنسبة لغرف النوم فنجدها مكررة في الصف القبلي والبحري لتستعمل حسب ظروف الطقس . وحيث إن التربة في منطقة أسوان طينية سوداء من طمي النيل ، بالإضافة إلى وجود بعض الأحجار الرملية ، لذا كانت مادة البناء الشائعة هي "الجالوص" ، وهو عبارة عن طين مخلوط بالتبن يوضع على حطات ، كل حطة 30سم ، ثم توضع الحطة التالية بعد جفاف الأولى، ومما يشجع على البناء بهذه المادة انعدام الأمطار بمنطقة النوبة (41)، والحوائط السميكة من الجالوص تعمل كعازل حراري يمنع تدفق الحرارة من الخارج إلى الداخل صيفا وبالعكس شتاء، أما بالنسبة للأسقف فنظرا إلى أن النوبيين يعتمدون على زراعة النخل فإن جذوعه تستخدم في تسقيف المسكن مع تغطيته بسعف النخيل ، وإن كانت منطقة الكنوز بالنوبة تستخدم القباب والأقبية في تسقيف بيوتهم(42). ويشتهر النوبيون بزخرفة واجهات بيوتهم خاصة رسومات الأزهار وتضفي لمسات المرأة النوبية على جدران المساكن وأبوابها سحرا خاصا، ويتم استخدام الخامات المحلية في تلوين هذه الرسومات والزخارف بالأكاسيد الطبيعية المتوافرة في جبال المنطقة ، مما يحقق التكامل بين الفنون التشكيلية والعمارة في المسكن النوبي التقليدي. ونظرا إلى أن الحشرات والزواحف من العقارب والثعابين في القسم الجبلي من الجرنة ، فإن سكان هذه المنطقة لا يهتمون بتربية الحمام لأنه غذاء للحيات ، وينعكس ذلك على تصميم باب المنزل حيث يجب أن تدوجد عتبة مرفوعة رأسياً قليلاً عن الأرض ، حتى لا تتمكن العقارب من الدخول للمسكن ، حيث لا يمكنها الصعود رأسياً، ومن أجل حماية الأطفال الصغار أو المأكولات من لسعات العقارب ولدغات الثعابين ونفث السموم فيها، يتم بناء عمود سميك نسبياً م الطوب اللبن خارج المنزل يقام في أعلاه جزء يشبه الزهرة يرتكز على هذا العمود ، وله حافة مرتفعة نسبيا مصمتة أو على هيئة مشبكات تحمى الطفل الصغير من السقوط ، ويمنع هذا الأسلوب المعماري البسيط في الوقت ذاته وصول الحشرات إليه أثناء انشغال الأم في عملها، كما يستعمل أحيانا في حماية مأكولات يخشى من زحف الهوام إليها(43). ومن عناصر التصميم الداخلي بالمسكن النوبي "العنجريب"، وهو سرير م أصل مصري قديم ، يصنع من أرجل وإطار خشبي تثبت إلى بعضها بخيوط وعوارض من جريد النخيل ، وهو يتسع لنوم فرد واحد فقط، أو ما كان يخصص منه لنوم مجموعة من الأطفال ، ومن وحدات الزينة الوظيفية بالمنزل النوبي "الشعلوج"، وهو عبارة عن أربعة خيوط من الصوف المغزول تعلق في عوارض الأسقف وتحمل إناء مصنوعا من الصيني، ويعتبر الشعلوج ذا أهمية خاصة في النوبة لعدة أسباب ، فهو وسيلة لحفظ الأوانى المصنوعة من الصيى من الكسر، كما أنه عن طريق الفكرة ذاتها يمكن حفظ الأغذية من الفساد بعض الوقت ، بتعليق الأواني التي تحتويها معرضة لتيار الداخل إلى الحجرات من فتحاتها العلوية ، إلى جانب أنه من أهم مستلزمات جهاز العوس في النوبة ، ومظهر فنى جميل من مظاهر الزينات والمعلقة كالثريا (44) 2- مساكن الهاوسالاند – نيجريا (45) تقع " هاوسلاند" فى الجزء الشمالى الغربى من جمهورية نيجيريا، وتقع عند ملتقي النيجر وبنو، وهى تمتد بين خطى طول 3.5 و 11 شرقا، أي بمسافة 844 كم بين خطى عرض 10.50 شمالا حتى 14شمالا، أى بمسافة 400كم . وتتكون هاوسلاند من أرض منبسطة ، وعلى الرغم من تعدد تكوينات الصخور في تربتها إلا أن مسطحات واسعة منها تشغلها تربة "اللاتريت "وهى شبيهة بالطفلة ، لذلك تعتبر الطفلة من مواد البناء التقليدية بالمنطقة . وتتميزهذه المنطقة بمناخ متقلب فيما بين الرطب والجاف ، وهذا يؤثر في عمليات البناء، حيث يجب أن يصمم المسكن بحيث يتلاءم مع حالتي الطقس المتباينتين ، ففي حالة المناخ الدافء الرطب يجب أن يتوافر مرور تيارات هوائية مستمرة ، وفى حالة المناخ الحار الجاف يجب تجنب الإشعاع الشمسي وبناء الحوائط السميكة ذات الفتحات الصغيرة . فلقد أوجد أهل "الهوسا" حلا وسطا باستخدام أنماط بنائية مختلفة الأنواع للأوقات المختلفة من اليوم أو السنة ، فيتكون المسكن من غرف مبنية بالكامل من الطين ، ومنشآت بسيطة مكونة من هيكل خفيف مسقوف بالنباتات وأشجار مظللة وحوائط ضخمة توفر مسطحا إضافيا مظللا، وتتكون المباني المبنية بالكامل من الطين (سورو Soro) من سقف طيني ثقيل وحوائط سميكة ذات فتحات قليلة ، مما يعطيها خصائص العزل الحراري، وبالتالي يمكن الاحتفاظ داخلها بهواء الليل البارد، ومنع الهواء الداخلي من الهروب وحمايته من حرارة الشمس ، والعكس صحيح ، ففي أثناء الليالي الباردة يمكن الاحتفاظ بالهواء الساخن داخل المسكن ، أما في موسم الأمطار فتصبح الفراغات أسفل الأشجار المظللة والفراغات المغطاة بسقف نباتي ذات مناخ ملائم ، حيث يتحرك الهواء خلال المبنى ويصبح الجو أكثر احتمالا. ونظرا لتساقط الأمطار بغزارة في هذه المناطق وبصفة مستمرة ، إلا أن الهوسا قد تمكنوا من ابتكار أساليب ملائمة للبناء بالطين ، بحيث يتم توجيه مياه الأمطار بعيدا عن سطح الحوائط، من خلال مزاريب تبرز 50 سم أعلى وجه الحائط، أو من خلال قنوات رأسية عميقة محفورة في وجه الحائط ومطلية بمادة عازلة للمياه ، مع حماية قاعدة الحائط من مياه الأمطار بواسطة سفل يبرز بمقدار 50 سم . ويتم استخدام الغاب Azara لتسقيف المباني ذات البحور الصغيرة والتي لا تزيد على 1.80م بين الحوائط الطينية الحاملة ، أما الفراغات التي يزيد بحرها على البحر الاقتصادي للغاب فيتم تسقيفها بواسطة عمل مجموعة من الكوابيل الطينية أعلى الحائط، وتبرز 45 سم وتغطى فيما بينها بكمرة مصنوعة من عدة طبقات من الغاب ، ويمكن بذلك زيادة عرض الغرفة إلى 2.70م بتركيب عوارض من الغاب تبرز من هذه الكمرة ، وترتكز على الجانب الآخر على الحائط المقابل ، ولزيادة عرض الغرفة إلى 3.5 م يوضع الغاب في الاتجاه المائل عند أركان الغرفة . أما في حالة بناء الغرف الكبيرة فيعمل السقف على عدة أعمدة يعلوها تاج بسيط يكون من اثنين أو أربعة بروزات من الغاب ، والذي يستخدم لزيادة بحر الأعمدة من 2.40م إلى 2.70م ، وتربط بين الأعمدة كمرات مسلحة بالطريقة المعتادة بالغاب ، وتربط بين هذه الكمرات عوارض من الغاب . والمسقط الأفقي النموذجي لمنازل الهوسا يتبع النمط الأفريقي التقليدى، حيث تتجمع الغرف داخل أو حول فناء، ويحيط بالمجموعة السكنية التي تسكنها الأسرة المركبة (مكونة من رجل متزوج وأبنائه المتزوجين أو مجموعة من الأقارب ) سور من الطين ، وتضم هذه المجموعة الوحدة الاقتصادية الأساسية للأسرة الممتدة والتي تعمل في الحقول نفسها، وتتقاسم مخازن الحبوب نفسها، وتشترك في الطعام نفسه . ويراعى في المسكن توفير الخصوصية للنساء، حيث يتم الدخول عن طريق "الجيدا"Gida من خلال كوخ المدخل ، ويسمى "الزاؤر"Zaure ، وتمتد مسارات الحركة من كوخ المدخل لجناح الأسرة مارة من خلال فناء أو اثنين ، وتوجد في هذه الأفنية أكواخ الشباب غير المتزوجين ، والضيوف من الرجال ، تحيط بها أكواخ أخرى تعتبر بمنزلة مداخل ساترة للأجنحة الأخرى التى تقطنها المجموعات الزوجية المستقلة ، وتخصص الأسرة الممتدة لكل زوجة كوخا أوكوخين تزينهما بمهرها ومتعلقاتها، وهي تنام فيهما مع أولادها، كما يوجد كوخ للزوج وأكواخ أخرى لأقربائه الذين يعولهم . 3- مساكن الريففي شمال المغرب: الريف عبارة عن سلسلة من الجبال الوعرة بمحاذاة ساحل البحر المتوسط إلي المغرب ، وتتميز القرى هناك بمناخ رطب وغابات في جهة الغرب ، وهي أكثر جفافا وأقل خضرة في الشرق ، حيث تلتقي بالمنطقة شبه الصحراوية مدينة مليلة ، والمناخ السائد في الريف الأوسط هو مناخ البحر المتوط، حيث تسقط الأمطار في الشتاء، أما الصيف فحار جاف حيث تجف أحواض الأنهار (46) . ويسكن الريف مجموعات من البربر يشتغلون بالزراعة وتربية المواشي المنزلية ، إلا أن مستوطناتهم لا يمكن أن يطلق عليها قرى، فهي عبارة عن مجموعات من المساكن تضم من 1 –6 أسر نووية ممتدة ، تتجمع حول المسجد والمقابر والضريح والأراضي ذات الملكية الجماعية . وفي مناطق الريف الأوسط معظم المساكن ذات أسقف مستوية من دور واحد تلتف حول فناء مركزي، أما في الأراضي الجبلية المرتفعة فيحيط بالمسكن سور من نباتات الصبار وتبلغ أبعاده حوالي 15 × 15 م، ويضم في وسطه تقريبا مخزنا للحبوب تحت الأرض ، وحوائط المساكن تبنى من الحجر أو الطين وتدهن باللون الأبيض ، والأسقف من الخشب مغطاة بالبوص والطين ، وتبرز الأسقف قليلا أمام الواجهات ، وغالبا ما يضم المسكن غرفتين أو ثلاثة ، بالإضافة إلى مخازن الغلال واسطبلات الحيوانات وفراغ المعيشة ، وتضم بعض المساكن غرفا للاستقبال ذات مدخل منفصل لتوفير الخصوصية للمرأة في أثناء ممارستها لأعمالها المنزلية في الفناء(74) 4- مساكن الشاوية – الجزائر: الأوراس موطن قبائل الشاوية الناطقة بلغة البربر، وتقع في منطقة جبلية في شمال شرق الجزائر، تخترقها وديان عميقة ، وأغلب الأسر متنقلة باستمرار بين الأراضي المرتفعة والمنخفضة ، ومعها الأغنام والماعز تبعا للمواسم المختلفة ، وبالتالي يوجد ثلاثة أنواع من المساكن الدائمة ، بجانب الخيام ، حيث يسكن الشاوية كل نوع تباعا على مدار السنة. وبصفة عامة فإن القرية يسكنها عدة قبائل تتجمع مساكنها في مجموعات فراغية متميزة ، وداخل كل مجموعة تعيش الأسرة الممتدة في مسكن ذي فناء أو بالقرب من بعضها ، أما مخازن الحبوب والغلال جماعية ، ومساكن الشاوية ذات أسقف مبنية من الحجر والمونة ، بها دعامات داخلية من الخشب تحمل الأسقف على مسافات تصل إلى 2م ، ويحيط بالفناء غرفة المعيشة والمخازن والاسطبلات(48). أما خيام البربر فهي ذات أعمدة مركزية متقاطعة يغطيها القماش المغزل من شعر الأغنام باللونين البني والرمادى، وتستخدم الخيام بصفة أساسية للإقامة (وفي هذه الحالة تقوم النساء بفرشها)، كما تستخدم أيضا في المناسبات الخاصمة كالأعياد والزفاف والمناسبات الدينية (وفي هذه الحالة يقوم الرجال بفرشها)، ويتجه السكان إلي الخيام مع ارتفاع درجات الحرارة ، وتخزن الخيام في المخازن العامة في فترة عدم استخدامها . 5- مساكن تحت الأرض بمطماطة – تونس: تتميز منطقة مطماطة التي تقع في جنوب شرق تونس بقلة الأمطار على مدار السنة مع قلة المياه الجوفية مع ارتفاع درجات الحرارة في الوقت نفسه ، لذلك فإن سكان هذه المنطقة ابتكروا تصميما متميزا للمساكن يعتبر فريدا من نوعه على مستوى العالم الإسلامي. فالمسكن في هذه المنطقة يقع بكامله تحت سطح الأرض لتجنب الإشعاع الشمسي، حيث يتم حفر حفرة للفناء المركزي (الدائري الشكل) بعمق حوالي 10 إلى 12 مترا وعرض (أو قطر) من 5 إلى 10 أمتار، يلي ذلك المدخل المنحدر بشكل منحنى للمحافظة على الخصوصية ، ثم تفرغ الغرف التي تطل على الفناء المركزي بحيث يخصص لكل زوجين في الأسرة الممتدة غرفة خاصة أبعادها 5 ×7م ، وتضاف غرف جديدة مع زواج الأولاد(49). 6-المساكن المبنية بالنخيل - سلطنة عمان: كان للظروف البيئية أثرها في بناء المسكن الريفي التقليدي في بعض المناطق بعمان ، ومن هذه المناطق سهل الباطنة الذي يتميز بدرجة حرارة مرتفعة على مدار العام ، ويتغلل فترات الرطوبة العالية المستمرة بعض العواصف الرملية والأمطار الغزيرة في بعض الأحيان. ومعظم الأسر في القرى الصغيرة أسر ممتدة تعيش في مسكن واحد ، وتحتل كل أسرة حجرة خاصة بها، إلا أنهم يشتركون في المنافع (المطبخ والحمام ) وغرفة الضيافة ، إن وجدت. والوحدة الأساسية في المسكن بهذه المنطقة من عمان عبارة عن غرفة متعددة الأغراض ذات سقف مائل من شجر السط وجذوع وسعف النخيل ، تلحق بها وحدتان أخريان تجاه الحائط الشمالي، وهما عبارة عن غرفة معيشة صيفية ذات سقف مستوى وجاليرى مفتوح مغطى بالجريد ، وتضم المجمعات السكنية الكبيرة بعض المخازن ، وعادة يتم طهي الطعام بالخارج ، إلا أنه في بعض الأحيان يلحق بالمسكن مطبخ مستقل ، وتوجد أجزاء المعيشة في جنوب الفناء لتجنب الرياح الجنوبية الغربية ، ويتم الحصول على المياه للأغرامن المنزلية من بئر خاصة بكل مسكن ، وتحيط به بعض الفراغات الصغيرة كأماكن الاستحمام ، ويتم اختيار مكان غرفة الضيافة بحيث يتم الوصول إليها من الخارج مباشرة ، وتضاف كآخر مرحلة في بناء المسكن بعد استيفاء جميع المتطلبات الأخرى (50). وهناك بعض المحددات المنظمة لعملية تصميم المسكن على الساحل الشمالي لعمان ، أهمها التظليل وتوجيه الفتحات لالتقاط نسيم البحر والحماية من الرياح الشديدة المحملة بالأتربة من الغرب ، لذلك فإنه يناسب البيئة الساحلية في عمان أسلوب البناء باستخدام سعف النخيل، بحيث تستغل مواد البناء المحلية بأقصى طاقة ، أما في المناطق الداخلية حيث تنخفض درجة الرطوبة ويزيد فرق درجات الحراوة بين الليل والنهار فتستخدم الحوائط السميكة المبنية من الحجر أو الطين ، ويتكون الهيكل الأساسي من سقف مستو مبني من الكمرات المثبتة في أعمدة رأسية ، أما الحوائطا فعبارة عن وحدات من سعف النخيل المجدولة في طبقات متوازية أو في صووة شبكة ، ويوفر السقف المزدوج المائل الحماية من مياه الأمطار، أما الحماية من تأثير الروياح فتتم عن طريق تدعيم الأركان بالحجر أو الطين وتوجيه المباني والأفنية . أما المساكن الصيفية المقامة من النحيل في ولاية "خصب " بمنطقة مسندم فتتميز ببعض الأساليب التصميمية لمواجهة الظروف المناخية بهذه المنطقة(51)، فكل منزل يتكون من غرفة مستطيلة المسقط بمقاسات3 × 7 أمتار ، ومقامة بواسطة ستة أعمدة مربعة ، وهي تمثل الهيكل الإنشاثي الأساسي، وأرضية الغرفة مرفوعة عن سطح الأرض بمسافة 1.50م ، ويستخدم هذا الفراغ تحت الغرفة كمكان خارجي مظلل للجلوس أما حوائط الغرفة فهي عبارة عن شرائح من أعواد سعف النخيل ، مربوط معا مع ترك مسافات صغيرة جدا بين هذه الأعواد، تسمح بحركة الهواء خلالها لداخل الغرفة ، ولكن في الوقت نفسه لا تسمح برؤية ما يحدث بالفراغ الداخلي المظلم للغرفة من الخارج ، والغرفة لها مدخل واحد يتوسط الجهة الشمالية يتم الصعود إليه بدرجات مبنية بالطوب . ومن أجل زيادة حركة الهواء بالغرفة لأكبر درجة يتم ترك فتحات أكثر اتساعاً في أعلى منطقة من الحوائط المشكلة بأعواد سعف النخيل وبارتفاع 50سم ويتم تسقيف الغرفة بطبقتين كاملتين من جريد النخيل المدعوم بالكمرات الخشبية والحبال. 7-المساكن المتعددة الأدوار في عسير – السعودية: تقع عسير في منطقة مرتفعة عن سطح البحر في جنوب غرب السعودية ، وتتميز مساكن هذه المنطقة بأنها متعددة الأدوار، ونظرا إلى أن هذه المنطقة من أكثر مناطق المملكة أمطارا فإن واجهات المساكن تتميز ببروز قطع حجرية رقيقة على مسافات تبعد حوالي0.0م، الواحدة منها تسمى النطف أو الرقف ، فوق كل مدماك طيني اثناء إقامته بحيث تكون ناتئة عنه لكي تحميه من الأمطار الغزيرة وحبات البرد الكبيرة (52). ويختلف شكل وارتفاع وتصميم المسكن من قرية لأخرى، إلا أن كل المساكن مبنية من الحجر والطين ، والمسقط الأفقي للمسكن مستطيل ، ويضم الدور غرفة واحدة أو أكثر، والمسكن له مدخل واحد بعكس المساكن ذات الأفنية ، وفي المساكن الكبيرة التي ترتفع عدة أدوار يخصص المستوى الأول وللمخازن والإسطبلات، والمستوى الثاني لغرفة المعيشة والمطبخ ، أما الدور العلوي لاستقبال الضيوف . ومن الملامح المميزة في المنطقة الجنوبية الأبراج المرتفعة سواء كانت ابراج منعزلة على قمة تل أو أبراج حماية في وسط الأراضي الزراعية ، أو أبراج سكنية تحيط بها مساكن القرية المنخفضة والتي يبلغ ارتفاعها خمسة أدوار أو تزيد عن ذلك ، وهي تعكس أسلوب الحياة غير الآمن في الفترات التاريخية السابقة . 8- مساكن المستنقعات - العراق يعتبر حوض نهر الفرات السفلي منطقة بحيرات دائمة ومستنقعات ضحلة تتعرض سنويا ، وفصل الصيف شديد الحرارة حيث تصل درجة الحرارة إلى أعلى من 48 درجة مئوية في النهار. توجد في المنطقة ثلاثة نماذج تميز المسكن في هذه المنطقة (الأهوار) وتعتمد جميعها بدرجة أو بأخرى على مادة البوص المتوفرة في البيئة (53) النموذج الأول عبارة عن منشأ ذي سقف مجدول يأخذ الشكل الجمالونى وله دعامة واحدة في المركز، ويطلى السقف المجدول الدعامات بالطين ويستخدم هذا النموذج كحظائر للماشية . النموذج الثاني عبارة عن كوخ نفقي ذي سقف مقوس مبني من البوص ، حيث يجمع البوص في حزمات بسمك من 35إلى 70 سم وطول من 3 إلى 5 أمتار، وتستخدم من 3 إلى 9 أزواج من هذه الحزمات لحمل السقف بعد تثبيتها لتأخذ شكل العقد المقوس ، وتربط هذه العقود معا عن طريق حزمات عرضية ثم يغطى الهيكل بالبوص المجدول ، وتفتح الأبواب الموجودة في طرفي المبنى بالتناوب ، الباب الجنوبي في الشتاء والباب الشمالي في الصيف ويمكن رفع البوص المجدول من أسفل للتهوية . أما النموذج الثالث من المساكن فهو بناء أكثر صلابة يشبه الكوخ النفقي ولكنه مبني بالطين ، وينتشر في المناطق الجافة ، وتبنى الحوائط الجانبية من الطين بارتفاع من 80 إلى 90سم وتثبت حزمات البوص في هذه الحوائط وتبنى لتأخذ شكل العقد المستدير وتغطى بالبوص المجدول ، وتفرغ في هذه الحوائط فتحات ضيقة لتحريك الهواء في الغرفة في فصل الصيف وتسد فى فصل الشتاء بالقش. 9- مساكن خلايا النحل - سوريا تقع هذه المساكن في السهول الشمالية الغربية من سوريا بين الجبال الباردة الرطبة إلى الغرب والصحراء الداخلية الممتدة إلى الشرق ، وتأخذ المساكن التقليدية في هذه المنطقة شكلا مخروطيا خاصا ولذلك أطلق عليها خلايا النحل (54) . وتأخذ غرفة الاستقبال شكلا مميزا باستخدام السقف المستوي باستخدام كمرات خشبية مستوردة ، أما بالنسبة للغرف المغطاة بالقباب المخروطية التقليدية فتبنى بالطوب النيئ أو الحجر على هيئة دوائر متتالية من الطوب حتى يصل أقصى ارتفاع لها من 3.50 إلى 4 متر في مركز الغرفة , وهي الطريقة الوحيدة لإنشاء القباب في الريف السوري مما يفرض أن تكون الغرفة مربعة ، وفي حالة الغرف المستطيلة فيتم دمج وحدتين مربعتين من خلال عقد مشترك . 10- مساكن جيلان - إيران يرتفع إقليم جيلان على الضفة الجنوبية لبحر قزوين ارتفاعا حادا من السهول الساحلية المنخفضة إلى سفح جبلي مزروع بالغابات وأخيرا المنحدرات الجبلية القاحلة من سلسلة جبال " ألبورز". فأهالي السهل الساحلي يعتمدون على زراعة الأرز وصيد الأسماك ويعيشون في منازل مستقلة تحيط بها رقعة فسيحة من الأرض ومتناثرة في الغابات ، وهذه المنازل يعلوها سقف من قش الأرز، وكلما اتجهنا مع ارتفاع الأرض في سفوح الجبال وغاباتها فسنجد أن هناك مجموعات من المساكن المسقوفة بالقش أو بالألواح الخشبية تكون نوعا من القرى الصغيرة ، وأخيرا في المنحدرات الجبلية الجنوبية الأكثر جفافا تنتشر المساكن ذات الأسقف المستوية المبنية بالطوب النييء في قرى ذات أنوية . وباستثناء المساكن الموجودة في المنحدرات الجنوبية فإن مساكن جيلان تستقر على أساسات مرتفعة أو دعائم خشبية لتجنب الرطوبة أو الإصابة بالآفات الحشرية والحيوانات الضارة ، ومعظم الغرف تفتح على تراس مسقوف أو على حوش ، والمادة الإنشائية غالبا من أصل نباتي كالخشب والقش والبوص والحوائط تبنى من هياكل خشبية (55). 11- خيمة اليورت –أفغانستان اليورت عبارة عن خيمة مستديرة قابلة للنقل ، حتى بدون فك ، وتوجد عند البدو المنغوليين وكذلك القبائل الرحل في شمال أفغانستان ، وهو مسكن أقوى وأكثر دفئا من الخيمة السوداء لدى الجماعات المتنقلة كالباشتون في الجنوب. وتختلف اليورت في حجمها فأصغرها يبلغ قطرها حوالي 3م يمكن أن تشغلها أسرة نووية واحدة ، أما أكبرها فقد يصل قطرها إلى 6 أو 8 م و تشغلها عدة أسر في عائلة ممتدة ، ويتكون الجزء الأسفل من اليورت من ألواح شبكية الشكل من الخشب يمكن طيها للنقل أو فتحها على حائط مستدير يلعق به غطاء من حصير البوص وباب خشبي وإطار، وسقف اللباد يستند على قوائم ضعيفة من أخشاب الصفصاف يتم إدخالها في قمة دائرة متوسطة تعمل أيضا كفتحة لتسريب الدخان المتصاعد من الموقد الداخلي (56). 12- مساكن كاروباتاك - إندونيسيا يحتل شعب كاروباتاك منطقة المرتفعات الباردة والمطيرة في شمال سومطرة وسط القمم البركانية والمنحدرات الجبلية والهضاب المرتفعة يزرعون محاصيل نقدية ومعيشية ، وقرى الكارو مدمجة وغالبا ما تحيط بها أدغال البامبو (الخيزران) لتقييد حركة الخنازير التي يسمح لها بالتجوال بلا حظائر، وليس هناك تنسيق في مباني القرية طبقا لأي رسم معين باستثناء أن كل منزل يتم توجيهه بطول محور النهر مع جعل الواجهة الأمامية في اتجاه عكس التيار، أما المنازل نفسها فتبعد عن بعضها بحوالي من ثلاثة إلى خمسة أمتار. ومنازل كارو التقليدية تتسم بالضخامة والمتانة ، وتبنى بالكامل من مواد عضوية كالخشب وسعف النخيل والبامبو وهي مساكن معمرة رغم رطوبة الجو نظرا لأن دخان الخشب يحفظ المواد ضد النمل الأبيض وضد الرطوبة ، كما أن السقف المصنوع من القش يزداد كثافة وصمودا للماء مع مرور الزمن . والمبنى يرتكز على 16 عمودا مصمتا يبلغ قطر كل منها من 35 إلى 50 سم ، وتواصل الأعمدة الثمانية المتطرفة امتدادها إلى أعلى لتدعم الدور في كل جانب أربعة أعمدة ، ويعلو مستوى الدور الأرضي بمقدار 2م عن سطح الأرض وتحت هذا المستوى يتم ربما عناصر النشأ كله بألواح خشبية ثقيلة وسميكة تثبت في القوائم الداعمة بالنقر واللسان ، والواقع أن هيكل المنزل كله برمته يقام بلا مسامير ويعتمد فى متانته على التثبيت بالأوتاد (57). 13- المسكن الملاوي_- ماليزيا تعتبر الأراضي الساحلية المنخفضة في الجهة الغربية من شبه جزيرة الملايو موطن الزراعة الكثيفة لمحصول الأرز على مياه الأمطار، وتمتد قرى الريف في مستوطنات شريطية بمحاذاة الألأنهار والقنوات والطرق ، والمنازل صغيرة نسبيا ومصممة بحيث تتسع فحسب لأسرة واحدة أو أسرتين نوويتي وربما مع جد أو جدة مسنة أو فتى راشد غير متزوج . والمسكن يقوم على عمد ليست غائرة في الأرض ولكنها تستقر على قواعد مربعة من الحجر أو الخشب أو الخرسانة ، وطريقة البناء تطورت بقصد إمكان التفكيك أو الإصلاح في المستقبل ولذا فهي تعتمد على استعمال الأوتاد وعلى أسلوب التثبيت بالنقر واللسان ، والسقف جمالوني حاد الانحدار يغطي بسقف محزوم من القش وسعف النخيل ، أما الحوائط فقد تبنى من المادة نفسها أو بسيقان البامبو أو لحاء الشجر أو سعف النخيل المجدول (58). ثالثا : مبان لها صفة المسكن استعرضنا في المحورين السابقين المسكن الإسلامي العائلي الخاص في البيئات الحضرية والريفية ، ولكن وجدت في العالم الإسلامي بعض ألمباني السكنية ذات الطبيعة الخاصة من حيث أنها تؤدي إلى جانب السكن وظيفة أخرى تجارية أو فندقية ، لذلك سوف يتم إلقاء الضوء على هذه النوعية من المباني والذي يغلب عليها طابع الإسكان الجماعي (أشبه بالشقق أو الوحدات الفندقية في عصرنا الحديث ) والتي يمكن حصرها فيما يلي: 1- الربع الإسلامي الأصل أن معنى كلمة " ربع " أي دار السكن أو الدار وما يحيط بها ثم أطلقت اللفظة على البناء المتسع الذي يشترك في سكنه عائلات متعددة من الشعب لقاء أجر زهيد ، وهذا النوع من المساكن أخذ فيما بعد اسم الوكالة (59). والربع يعتبر نموذجا للإسكان الشعبى فى العمارة الإسلامية حيث يقول المقريزي (60) : " كانت بعض الأرباع تحتوي على ثلاثمائة وستين بيتا وقد سكنها نحو أربعة آلاف نفس " وبالرغم من ذلك فإن الربع كان يحتوي على العناصر الجمالية نفسها الموجودة فى بيوت الأغنياء ولكن بزخرفة وتفاصيل أبسط كالفناء الداخلي أ و المشربيات . وعادة فإن الربع يتكون من دور أرضي يعلوه طابقان آخران ، ويوجد بالدور الأرضي محلات وورش للحرفيين أو مخازن تفتح على ممر مفتوح ، مع وجود مدخلين أحدهما للغرف والورش المطلة على الفناء الداخلي والثاني للأدوار العلوية للربع ، أما الدور الأول فيحتوي على ممر مفتوح إلى السماء تفتح عليه الوحدات السكنية ، وكل وحدة تفتح على مدخل به دورة مياه ومطبخ وسلم داخلي خاص بكل وحدة وبعد ذلك نجد قاعة المعيشة والاستقبال بارتفاع دورين ، أما الدور الثاني فهو يحتوي على غرف صغيرة ، ويعلو الجميع السطح ويستعمل كمشمسة يفصله عن كل وحدة سور صغير (61). وبدراسة تصميم الوحدة السكنية بالربع الإسلامي يمكن أن نعرف كيف عالج المصمم المسلم مشكلة اقتصاديات البناء، فعلى سبيل المثال أقيمت الوحدة السكنية في خان الخليلي على مسطح أفقي قدره 30 مترا مربعا فقط وباستخدام النظام المعروف حديثا باسم " الدوبلكس "، أي البناء على المسطح الكامل للدور مضافا إليه نصف الدور الذي فوقه (أو جزء منه )، فان مساحة الوحدة السكنية تصل إلى 47مترا مربعا، بينما لو أردنا البناء بأسلوب العمارة الحديثة لاحتجنا إلى مسطح أفقي قدره 47 مترا مربعا بدلا من 30مترا مربعا (62). لقد طبق المعماري المسلم هذا الأسلوب الذي يتبع في المباني الحديثة الفاخرة في الإسكان الشعبي (الربع ) قديما، ففي ربع الحمص الذي يشتمل على 35 وحدة سكنية ، تتكون كل وحدة من دورين وتشتمل على قاعة استقبال كبيرة بارتفاع دورين بأبعاد 3.80 × 6م ملحق بها خزانة (غرفة صغيرة )، إلى جانب الخدمات وصالة مدخل بها سلم يؤدي للدور المسروق به غرفتان أحدهما تطل على الفناء، وفي حالة العائلات الكبيرة أو الممتدة يمكن أن تستعمل وحدتان سكنيتان بدلا من وحدة واحدة . ووجود الوحدات السكنية حول فناء داخلي ساعد في تلطيف الجو والسماح للهواء بالتخلل داخل المبنى، حيث تبلغ أبعاد الحوش 65 × 25م بارتفاع ثلاثة أدوار مما يعطى فرصة أيضا للشمس بدخول المبنى. 2- الوكالة الوكالة مبنى متسع الأرجاء يستعمل للتجارة والسكن ونزول المسافرين مع بضائعهم ، وهو كالخان وظيفة وتخطيطا، كما سميت بالوكالة الخانات التي تقطنها أسر مختلفة من عامة الشعب (63). والوكالة بصفة عامة تتكون من مخازن منفصلة (حواصل) في الدور الأرضي وتطل على فناء داخلي مفتوح ووحدات فندقية في الأدوار العليا (على مستويين أو ثلاثة مستويات ) تطل على الفناء الداخلي، وكانت الوكالات تخصص لإقامة صغار التجار في مواسم الاتجار ممن يحضرون من مختلف القرى أو البلاد الأخرى مع عائلاتهم للمدن الكبرى، فيقيم كل تاجر وعائلته في الوكالة ويخزن بضاعته بالحواصل الموجودة بالدور الأرضي للوكالة (64) . وتعتبر وكالة الغوري من أهم وأكبر الوكالات الموجودة بالقاهرة الإسلامية ، انشأها السلطان قنصوه الغوري في سنة 910 هجرية- 1505 م وتعتبر نموذجا متكاملا لما كانت عليه الوكالات والخانات في تلك العصور، وبدراسة وتحليل ~مسقط الوكالة نجد المعمار قد اعتمد في تصميمه على مبدأ الانفتاح إلى الداخل ، حيث تلتف مكونات وعناصر الوكالة على فناء أوسط مكشوف واسع ، تلتف حوله مخازن الدور الأرضي والأول ولها مدخل رئيسي يتوسط واجهة الوكالة الرئيسية ، وملحق بالدور الخدمات والمرافق واسطبل لدواب التجار، وسكن علوي له مدخل خاص في أقصى الواجهة ، بالإضافة إلى مصبغة ملحق بها سكن الصباغين تجمعت حول فناء صغير، ومسجد صغير في فناء الوكالة (65) . وبدراسة العديد من الوكالات الموجودة بالقاهرة القديمة كوكالة قايتباي وبازرعة والغوري، يتضح أنها اتبعت الأسس التصميمية نفسها السابقة الإشارة إليها مع ملاحظة أن الفناء الداخلي دائما يكون مستطيلا ومحوره الطولي يميل على الجهة البحرية إلى الغرب ، مما يساعد على دخول الهواء القادم من الجهة البحرية الغربية إلى فناء الوكالة . 3- الخان الخانات لفظة فارسية الأصل أطلقت على مكان مبيت المسافرين ،والخانات نوعان (66) : الأول أقيم على طرق السفر خارج المدن المتباعدة والثاني داخل المدن . النوع الأول : كان يبنى بادئ الأمر على منابع المياه ومجاري الأنهار، يبتعد الواحد عن الآخر مسيرة نهار أي ما يقارب الثلاثين كيلومترا ، وهو بصفة عامة مربع المسقط وغالبا بطبقتين اثنتين تحتل أركانه أبراج للمراقبة والدفاع وقد يحيط به سور خارجي مدعم وبوابة ضخمة محكمة الغلق ليلا وكأنه حصن صغير، وكانت غرف المسافرين موزعة في الطبقتين أو في العليا فقط . ومن الملاحظ أن خانات السهول كانت أوسع من خانات الجبال ، كما كانت خانات البلاد الباردة تخلو من الصحن المكشوف ، وبعد انتشار الإسلام أخذت الخانات تصميمين رئيسيين : الأول إيراني بقاعات متطاولة موازية للصحن المركزي وما لبث أن أخذ هذا التصميم شكل الأواوين ، أما التصميم الثاني فهو بأربعة أضلاع وصحن مركزي تحيط به الأروقة ويعرف بالطراز البحر - متوسطي. النوع الثاني: خانات المدن وكانت تحتل مداخل المدن خارج الأسوار أو داخلها وقلب الأسواق وجوار الحمام والمسجد، ووظيفته بصفة عامة استقبال التجار من باعة الجملة ومراسلي المستوردين ، حيث تتكدس في الصحن البالات والصناديق المعدة للتصدير والمستوردة للسوق المحلية ، كما كان لكل بضاعة خان يوتبط اسمه بها فهناك خان الحرير وخان الحبالين في دمشق ، وخان الخياطين والصابون بطرابلس وغيرها . وتصميم خان المدينة بشكل عام لم يتغير على مو العصور، وأخذ تخطيط صحن مركزي مكشوف يتوسطه حوض ، وتحيط بالصحن بوائك أقيمت الدكاكين تحتها لتبقى أبوابها محمية من الحر صيفا والمطر شتاء. الحدائق وتنسيق الموقع على الرغم من أن عملية تنسيق المواقع Landscape Arch تعد أحد الفنون القديمة قدم الحضارة الإنسانية ، فإنها لم تتشكل كمهنة منظمة حتى القرن التاسع عشر، وتعرف مهنة تنسيق المواقع بأنها المهنة التي تطبق المبادئ الفنية والعلمية في البحث والتخطيط والتصميم ، والإدارة للبيئة العمرانية والطبيعية مع الاهتمام بالمحافظة على الموارد الطبيعية لتحسين البيئة كيفا واستخدام الأرض استخداما حكيما (1). وعلى الرغم من وجود شواهد تاريخية كثيرة تدل على اهتمام القدماء بعملية تصميم الحدائق ، ابتداء من مصر القديمة وحضارات ما بين النهرين ، وتنسيق الحدائق الإسلامية الرائعة في الأندلس وايران والهند ومختلف بقاع العالم الإسلامي، فإن أول من استخدم لفظ معماري البيئة لوصف نفسه كان كلا من " فردريك أولمستيد " و " كالفرت فاوكس " عام 1858م ،عندما فازا بمسابقة تصميم المنتزه المركزي في نيويورك (2). وأصبح الآن لعلم تصميم وتنسيق الحدائق أهمية ومكانة كبيرتان بين علوم البيئة والعمارة وتخطيط المدن ، وامتد مجاله ليشمل التصميم التفصيلي للموقع وحتى التخطيط الإقليمي، ومن ضمن الأنواع المتعددة لمجالات نشاط هذا العلم ، على سبيل المثال : تصميم وتخطيط المنتزهات والمناطق الترفيهية والمجمعات السكنية والساحات العامة والحضرية . وقبل أن نتعرض لأسلوب تصميم الحدائق على مر التاريخ ، وصولا إلى العصر الإسلامي، فنجد أنه من اللازم في البداية أن نعطي فكرة موجزة عن أهمية الحدائق والمسطحات الخضراء وأثرها في كل من الإنسان والبيئة ، حتى يمكن أن نتفهم لماذا أولت مختلف الحضارات الإنسانية أهمية كبرى لمثل هذا الاتجاه الحضاري عند عمارة الأرض والبيئة . أولا: فوائد الحدائق والمسطحات الخضراء للإنسان والبيئة تمثل الطبيعة (الماء، الخضرة ، الجبال ...) في البيئة الحضرية العمرانية الروح النابضة للحياة ، ولا يمكن تصور الحياة من دون طبيعة أو أشجار أو هواء نقي وضوء شمس ، وكلما قويت عناصر الطبيعة في المناطق العمرانية وكانت المسيطرة كلما تحقق مستوى عال من البيئة الصحية داخل هذه المدن أو المناطق . ويمكن إيجاز الفوائد المتعددة للحدائق والمسطحات الخضراء فيما يلي (3): ا- الفوائد الصحية والبيولوجية مما لاشك فيه أن للمسطحات الخضراء فوائد صحية وبيولوجية لها أثر طيب في صحة الإنسان ، لذا فقد سميت المناطق الخضراء بـ " الخضرة الصحية "، وهذا يرجع إلى العملية البيولوجية التي يقوم بها النبات الناتجة عن عملية التمثيل الضوئي، حيث يحتاج النبات في هذه العملية إلى ثاني أكسيد الكربون الناتج من مخلفات الإنسان والحيوان ، وينتج الأكسجين النقي اللازم لتنفس الإنسان والكائنات الحية الأخرى. وللتشجير والمسطحات الخضراء دور مهم في المناطق الصناعية المتاخمة للمناطق السكنية ، حيث يجري فصل المناطق الصناعية عن باقي جسم المدينة ، وترك حرم للمناطق السكنية مع وضع مسطحات خضراء كأحزمة واقية وفاصلة ، وتحدد المسافات المتروكة حسب نوع الصناعة (4)، ومن جانب آخر فإنه يمكن استخدام نوعيات معينة من النباتات كمؤشر على مدى صحة البيئة ومعرفة تلوث الهواء والماء في المدن (5). وللنباتات فاعلية كبيرة في تقليل الضوضاء، ويتوقف ذلك على عدة عوامل منها ما يتعلق بالنباتات ، من حيث النوع والارتفاع والكثافة ومكان زراعتها، وقد وجد أن المنطقة المزروعة على جانبي الشوارع تعمل على امتصاص وتشتيت الضوضاء، فزراعة سياج نباتي بسمك 5 أقدام (حوالي 1.50 متر) يكون فعالا فى تقليل الضوضاء بمعدل 2ديسيبل (6). 2- الفوائد المناخية للمناطق الخضراء والنباتات تأثير مباشرفي الحماية من عوامل المناخ وتلطيف الجو خاصة في المناطق الحارة ، حيث لها قدرة على امتصاص الحرارة وعدم إشعاعها مرة أخرى، كما أوضحت بعض الدراسات أن متوسط الانخفاض في درجة حرارة الحوائط المظللة بالأشجار والشجيرات خلال أيام الصيف الحارة يتراوح ما بين 13.50 و 15.50 درجة مئوية ، أما المظللة بالنباتات المتسلقة فيترواح مستوى انخفاض درجة حرارتها ما بين 10 و12 درجة مئوية (7)، (8). كما أن للأشجار والنباتات تأثيرا مضادا في تقليل سرعة التيارات الهوائية غير المرغوب فيها، وكذلك العواصف الترابية ، حيث تستعمل كمصدات للرياح وبتشكيلات خاصة وبنوعيات خاصة (أشجار سريعة النمو، عميقة الجذور، رفيعة الأوراق ، مستديمة الخضرة ) توزع في صفوف متقاربة في الجهات المعرضة لتيارات الرياح الشديدة ، كما تساعد المناطق الخضراء على تخفيف حدة الجفاف في المناطق الجافة والصحراوية بزيادة الرطوبة النسبية ، وذلك بتبخر بعض المياه الناتج من عمليات الري وعملية البخر- نتح التي تقوم بها النباتات الخضراء (9). 3- الفوائد الجمالية والاجتماعية إن وجود الحدائق بالمساكن والمباني الخاصة أو وجود المناطق الخضراء بالمدن اتجاه حضاري وجمالي نبه إليه القرآن الكريم في العديد من آياته ، حيث يقول سبحانه وتعالى: " من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها، أ إله مع الله بل هم قوم يعدلون " (الآية 60 النمل ). من هذا المنطلق يجب ألا ينظر إلى محاولات إنبات الحدائق على أنها رفاهية ، بل هي إحدى نعم الله على البشر، ويتأكد ذلك من قوله سبحانه وتعالى: " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون " (الآية 32- الأعراف )، ومن هنا تتأكد الدعوة الصريحة لإيجاد الحدائق التي تدخل تحت كلمتي الزينة والطيبات اللتين وردتا في الآية الكريمة السابقة . إن الشوارع المزروعة بالأشجار المظللة تجمل منظر المدينة مع جمال أزهارها وروائحها الطيبة ، إلى جانب أهمية الفوائد الاجتماعية للمسطحات الخضراء والمناطق المفتوحة ، حيث تعمل على إيجاد التقارب بين الناس والتقائهم بعضهم مع بعض ، وقد أمكن لبعض مخططي المدن تحقيق ذلك في تخطيطات المجاورة السكنية بالمدن المزدحمة بعمل حدائق ، كفراغ اجتماعي وكمكان للالتقاء في الوقت نفسه (10). ثانيا: نبذة عن التطور التاريخي لتصميم الحدائق تطور تخطيط الحدائق عبر العصور، شأنه في ذلك شأن باقي الفنون الجميلة ، التي ازدهرت وصقلت مع تطور الزمن ، واتخذت لها طابعا خاصا هو ما نسميه بالطراز، حيث كان لكل حضارة أسلوب خاص لتصيم حدائقها يتفق مع طراز مبانيها ومع ما يزرع في أجوائها من أشجار ونباتات ، وسيتم بإيجاز استعراض التطور التاريخي لتصميم الحدائق في أهم العصور السابقة . 1- تنسيق الحدائق فى عصرالقدماء المصريين كان الغرض الأساسي من تنسيق الحدائق عند قدماء المصريين هو غرضا دينيا أو عقائديا بحتا لتجميل المعابد وإبرازها وإعطائها الأهمية الأولى في حياة المصريين القدماء (11)، حيث كانت توزع الأشجار المصرية بالحدائق بزراعتها حول المعابد والقصور الفرعونية في تشكيلات مختلفة ، تتفق وتتاسب مع نوع المبنى المزروعة حوله ، لتجميله بخضرتها وأزهارها وتوفيرا للظل والوقاية من حرارة أشعة الشمس (12). وكانت حدائقهم ذات طراز منتظم متناظر أو محوري، تسود فيه الخطوط المستقيمة والزوايا القائمة (13)، وكان لكل حديقة فرعونية بحيرة أو عدة بحيرات صناعية لتربية نباتات اللوتس والبردي المقدسة ، التي كانت تمثل رمز الوجه البحري أو الوجه القبلي، وكانت هذه البحيرات تبنى بأشكال مربعة أو مستطيلة ونادرا ما كانت تبنى مستديرة (14). إن طبيعة الجو وأسلوب الحياة في المجتمع الفرعوني حتما عمل حديقة مستورة تتوسط حجرات المنزل Patio garden ، وكانت هذه الحدائق الداخلية تنشأ في داخل المساكن الفرعونية ، كما توجد أنواع أخرى من الحدائق المصرية القديمة إحداها أمام المسكن ثم الحديقة الداخلية ثم حديقة تربية الحيوان ثم حديقة الحظيرة ، وهناك أمثلة متعددة للحدائق المصرية القديمة منقوشة على الآثار الفرعونية (15). 2- تنسيق الحدائق في عصر الآشوريين والبابليين ظهرت حدائق ما بين النهرين (دجلة والفرات ) في بداية القرن التاسع قبل الميلاد بعد غزو الآشوريين لمصر وعودتهم إلى بلادهم ، متأثرين بالفن المصري القديم في تنسيق الحدائق وانشاء القصور والمعابد (16). وغالبا فإن الطراز الهندسي المتناظر استخدم في تصميم الحدائق البابلية إلا أن طبيعة بلادهم الجبلية قد أثرت في ذلك الطراز، مما جعلهم ينشئون الحدائق على هيئة مدرجات مستوية تعلو الواحدة الأخرى , وكما هي الحال في الحديقة الفرعونية ، فإن الحدائق البابلية والآشورية كانت مربعة الشكل ، تقسمها المحاور الطولية والعرضية إلى أقسام متساوية ومتماثلة (17). ومن أشهر ما عرف عن حضارة بلاد ما بين النهرين الجنائن أو الحدائق المعلقة بمدينة بابل , وعدت من عجائب الدنيا السبع , ولكن ما حقيقة هذه الجنائن ؟ , إن العديد من الباحثين قد شكك في اعتقاد المنقب الألماني "كولوفي " في عام 1973 الذي اعتبر فيه بيت الأقبية الواقع في الزاوية الشمالية الشرقية من القصر الجنوبي أنه بقايا الجنائن المعلقة (18)، ولكن بالنظر إلى مخطط بيت الأقبية نجد أنه يتألف من قسمين متداخلين : الداخلي عبارة عن ممر طويل تتوزع على ضلعيه مداخل تؤدي إلى سبع غرف طولية على كل جانب ولا تحتوي على أي فتحات لدخول الضوء أو الهواء , ويحيط بناء خارجي بهذه الغرف الداخلية والمساحة الكلية للبناء 40 × 40 متر مربع تقريبا . ويبدو من هذا الوصف أن المصمم قد حاول أن يوفر العزل الحراري الكافي للجزء الداخلي، وهذا يدل على أن تصميم بيت الأقبية يشابه إلى حد كبير تصميم الثلاجة , وبعد البحث والتنقيب وجد أن الثلج الذي كان يستخدم لأغراض الملك وحاشيته هي المادة التي كانت تخزن في هذه الأقبية الداخلية ، وقد أقيمت الجنائن المعلقة فوق هذه الأقبية ، حيث زرع سقفها بالأشجار لكي تقوم بدور العازل الحراري للسقف ، وبهذا تحول سطح الثلاجة إلى جنائن معلقة ، ومما يؤيد الرأي السابق وجود بئر في المبنى المذكور يكفي لري حديقة بمساحه 40 × 40م2(19)، وهي المساحه الإجماليه نفسها للمبنى المقامه على سطحه الحديقة. 3- تنسيق الحدائق الفارسية بعد غزو الفرس للآشوريين نقلوا عنهم فن تنسيق الحدائق المنقول أصلا من الفراعنة (20)، وقد ظهر طراز الحدائق الفارسية في القرن الخامس قبل الميلاد في عهد " كسري أنوشروان "، حيث خططت الحدائق في السهول بين جبال بلاد فارس ، وبنيت المدن والقصور الفسيحة بها الحدائق تفصلها طرق مستقيمة متعامدة (21). ويعد الطراز الفارسي المنتظم هو الطراز السائد في تنسيق حدائق هذا العصر، فشكل الحديقة يميل إلى المربع أو المستطيل يقسمهما طريقان متعامدان إلى أربعة أجزاء متساوية ، وغالبا ما يوضع عند التقاء الطرق فسقية أو بركة مياه، تحاط بأسوار عالية مزخرفة تتسلقها النباتات المزهرة ، وتحاط الممرات الرئيسية بصفوف متناظرة الأشجار(22). وقد رسمت الحدائق الفارسية على أنسجة السجاد العجمي، فكانت لوحات بديعة سجلت ما كانت عليه هذه الحدائق من جمال وحسن تنسيق ، وقد وضعت في المنازل حتى يمكن رؤيتها في وقت الشتاء حيث تكسو الثلوج الحدائق (23)، وهي إحدى المميزات المهمة التي انفرد بها الفرس عن غيرهم وقد أملتها عليهم ظروف البيئة الباردة التي يعيشون فيها. 4- تتسيق الحدائق الإغريقية تأثر الاسكندر الأكبر بأسلوب تنسيق الحدائق في بلاد الشرق في أثناء غزواته لوادي النيل وفارس ، وقد أنشأ في أثينا عددا من الحدائق الكبيرة حول القصور التي شيدها، وظهرت الحدائق فسيحة منبسطة تماثل الطراز المصري وفيها أقسام متناظرة على هيئة الطراز الفارسي، ومنسقة على الطريقة الشرقية بالنافورات والتكاعيب التي أقيمت على أعمدة مبنية حول التماثيل الإغريقية للآلهة (24). ولأول مرة ظهر ما يسمى الآن بحدائق الميادين والحدائق العامة لأفراد الشعب بعد أن كانت الحدائق مقتصرة على قصور الملوك والأغنياء، كما استعمل نباتات السرو والصنوبر والزيتون بكثرة في تنسيق الحدائق (25). 5- تنسيق الحدائق الرومانية : انتقلت الحضارة إلى روما في القرن الأول قبل الميلاد، والحديقة الرومانية تماثل الحديقة الإغريقية وإن كانت هناك فروق بسيطة جدا تفصل بينهما فالرومان استخدموا حدائقهم بشكل يومي وعملي حيث أنشأوا هذه الحدائق في منطقة مركزية من منازلهم على نقيض الإغريق الذين أمضوا معظم أوقاتهم فى الأماكن العامة . فقد كان المسكن الروماني ينشأ حول فراغ مخصص لحديقة مركزية مع توفير مكان هادئ أو رواق معمد ومسقوف ، وتدهن حوائط هذا الرواق بطلاء يتناسب مع مكونات الحديقة ، أما فتحات المسكن فكانت تطل على الحديقة وذلك بمنظر وهدوء الحديقة التى أصبحت فى ذلك العصر المركز البؤري لكل الأنشطة اليومية بما في ذلك العبادة (26). كما انتشرت الحدائق العامة حول روما العاصمة لتسمح باستقبال أفراد الشعب وإقامة حلقات المصارعة الرومانية وانعقاد الاحتفالات الشعبية التي اشتهر بها الرومان ، وزودوها بالآشجار الإقليمية وأغلبها من الآشجار المخروطية كالسرو والصنوبر والبلوط وغيرها (27). ثالثا: الحديقة الإسلامة وتأثرها بفكرة الفردوس: تعتبر الحديقة الإسلامية واحدة من التقاليد العالمية الأربعة العريقة في مجال عمارة البيئة، وهذه التقاليد هي (28): الشرق أوسطية ، والشرقية ، والأوروبية في عصر النهضة ، والإنجليزية في القرن الثامن عشر. كان للتصرير القرآني للفردوس ولوصف العديد من الأحاديث النبوية للجنة بما تحويه من متع حسية وروحية ، إلى جانب محاولة التغلب على الظروف البيئية القاسية ، الدافع القوي لدى المسلمين لمحاكاة هذا التصوير المثالي في تصميم وتنسيق الحدائق الإسلامية ، فالحدائق بصفة عامة تعكس العلاقة بين الإنسان والطبيعة أما في العالم الإسلامي فتضاف رؤية أخرى لمفهوم الحدائق على أنها صورة مصغرة ونسخة مقلدة للفردوس أو الجنة ، وتميزت العمارة الإسلامية بما يمكن أن نطلق عليه "النظرية الفردوسيه" أو "نظريه التضاد البيئي" (29)، في محاولـه لإيجاد الحدائق والجنات الأرضية في داخل بيئة تتسم بظروف مناخية قاسية بغرض تحسين وتجميل هذه البيئة . بدأت التصميمات في العصر الإسلامي وفقاً لعادات وتقاليد موروثة ، فكانت البداية عبارة عن بعض أشجار النخيل حول منابع المياه في البادية(30)، ولكن سرعان ما امتدت رقعة الدولة الإسلامية في أواخر القرن السابع الميلادي حينما توسعت وشملت بلاد حوض البحر المتوسط في شمال أفريقيا وجنوب أوروبا في عهد الأمويين ، ووصلت حتى جنوب فرنسا وإسبانيا، وبعد أن تم الاستقرار لهم بدأوا يخططون المدن وأقاموا فيها القلاع والقصور الفخمة وأصبحت الحدائق وتنسيق الأفنية الداخلية في المساكن والمباني العامة عنصرا أساسيا في مباني المدينة الإسلامية . وكان أهم ما يميز الحديقة في العصر الإسلامي الخصوصية ، لذلك أحيطت بالأسوار العالية أو أشجار النخيل لحجب المناظر الداخلية ، وغلب على تخطيطها التقسيمات الهندسية كما اهتم المسلمون باستخدام المياه في حدائقهم بصور متنوعة ومتميزة . ومع نمو الفنون والعمارة الإسلامية وتطورها أصبح الاتجاه في تصميم الحدائق يقترب بقدر الإمكان من الوصف القرآني للجنة أو الفردوس (31)، فتنسيق الحدائق في رؤية الإنسان المسلم ما هو إلا صورة مصغرة للفردوس العلوي أو الجنة ومحاولة لمحاكاة صنع الله مما يرى في الطبيعة المحيطة أو الآيات المنظورة التي تعكس مظمة الإبداع الإلهي. إن المتأمل للعديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية عن الجنات الأرضية أو الأخروية ليندهش من دقة الوصف القرآني الذي استلهم من خلاله المسلمون العناصر الأساسية والجمالية عند تنسيق حدائقهم أو عند اختيار مواقعها . فمن الآيات الكريمة التي أوضحت الموضع النموذجي لاختيار الحدائق والجنات الأرضية نجد قوله سبحانه وتعالى:" ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل ، والله بما تعملون بصير" (265- البقرة )، فالآية الكريمة أوضحت أن الموقع الأمثل لاختيار الحدائق والبساتين يكون بالأماكن المرتفعة من الأرض كالروابي مثلا، فهذا يجنب الأشجار عدة عوامل معوقة للنمو والإثمار الجيد وأسباب المرض ، ومن هذه العوامل التقاء الجذور بالمياه الجوفية الذي يحد من نموها ويمنع تعفن الجذور، كما أن المياه الزائدة لن تفسد الزرع لأنه بربوة عالية والصرف ممتاز حول الربوة ، وفي حالة عدم نزول الأمطار فإن هذه الحدائق تروى بطريقة الرش والرذاذ الخفيف للندى (32). ويلاحظ أن المعنى اللغوي للفظ الحديقة يتفق مع ما ورد بالآية السابقة ، فالحدائق جمع حديقة وهي البستان أو الروضة أو الحائط، وعادة ما يطلق لفظ الحديقة على الأرض المرتفعة المزروعة بالشجر والتمر والنخل ، أما الروضة فهى الأرض ذات الخضرة ولا يقال في موضع الشجر روضة، ولا تكون إلا بماء معها أو إلى جنبها، والحائط هو البستان من النخيل إذا كان عليه حاكا، والبستان لفظة فارسية الأصل تعني مكان العطر وأطلقت على كل أرض أدير عليها جدار وفيها شجر وزرع (33). وعلى ذلك فإن لفظ الحديقة عادة ما يطق على الأرض المرتفعة المزروعة بالأشجار والنباتات ، وهو ما يتفق مع ما أشارت إليه الآية الكريمة السابقة بأفضلية اختيار الحدائق بالأماكن المرتفعة كالروابي على سبيل المثال . ومن خلال التصوير القرآني للجنات والحدائق سواء كانت أرضية أو أخروية يمكن أن نستلهم العناصر الأساسية والجمالية لتصميم الحديقة بصفة عامة والإسلامية منها بصفة خاصة ، وبلورة هذا التصور من خلال العلوم المعمارية والبيئية المعروفة ، ويمكن إيجاز عناصر الحديقة الإسلامية بناء على ذلك كما يلى (34): أ-الأشجار والنباتات استحدمت الأشجار والنباتات في الحديقة الإسلامية لإيجاد الظلال والحصول على المتعة البصرية ، ولقد أعطيت العديد من الآيات القرآنية وصفا جميلا للجنة وما بها من متع أعدها الله لعباده الصالحين حيث يقول سبحانه وتعالى: "إن للمتقين مفازا، حدائق وأعنابا"( 31-32، النبأ)، "و أصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ، في سدر مخضود وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب ، وفاكهة كثيرة ، لا مقطوعة ولا ممنوعة" (27- 33، الواقعة )، كما يقول سبحانه وتعالى: "ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلاً" (14- الإنسان ). فوجود الأشجار والنباتات بالحدائق يؤدي منافع شتى، فيمكن الحصول على الفواكه من بعض أشجارها كالعنب مثلا، والبعض الآخر يستخدم كسور يحمي الحديقة من أعين المتطفلين ويوفر لها الخصوصية كأشجار النخيل ، والبعض الآخر يوفر الظلال ويساعد على عدم سقوط أشعة الشمس على حوائط هذه المباني ويحد من شدة الإبهار بالمنطقة المحيطة بالمباني، هذا إلى جانب الحصول على المتعة البصرية وتحقيق الجوانب الجمالية. وقد بلغ اهتمام العرب بتحقيق الجانب الجمالي في الحدائق إلى أنهم قد أحاطوا في بعض الأحيان جذوع الأشجار برقائق الذهب ، وجدير بالذكر هنا أن خمارويه بن أحمد بن طولون قيل إنه كان يعتني بحدائق القصر الذي أنشأه ، فكسا جذوع النخيل بالنحاس المذهب (35)، وكأن المسلمين قد استلهموا هذا الأسلوب من حديث الرسول عليه الصلاة والسلام الذي ورد في جامع الترمذي حيث يقول : " ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب " (حديث حسن ) (36). ب- الاستخدامات المتنوعة للماء: الماء يرمز في الرؤية الإسلامية إلى أصل الحياة لقوله سبحانه وتعالى: "وجعلنا من الماء كل شيء حي"، كما أنه رمز للتطهر والصفاء. لقد جاء استخدام الماء في الحديقة الإسلامية بصور متنوعة ، فقد استخدم على شكل مسطحات مائية مظللة بالأشجار أو على شكل نوافير تساعد على تحريك سطح الماء فلا يعمل كسطح عاكس أو على شكل أنابيب علوية تتساقط منها المياه محدثة خريرا مقبولا، أو على شكل سلسبيل ، كما أن المسلمين استخدموا الفسيفساء الملونة في تكسية قاع وجوانب النوافير أو القنوات المائية ، وذلك لإبراز جمال الماء والمحافظة على صفاء لونه بقدر الإمكان (37). وجدير بالذكر أن بعض أحواض الماء كانت تحتوي على بعض الأسماك والطيور كالبط، كما تحتوي على نوافير حتى لا تسمح بوجود الحشرات على سطح الماء إلى جانب تأديتها وظائف بصرية وسمعية أخرى (38). واذا كانت معظم بلدان العالم الإسلامي تقع جغرافيا في مناطق صحراوية وجافة ، فقد تمكن المصمم المسلم من التغلب على هذه المشكلات المناخية باستخدام الماء كعنصر تصميمي أساسي في الحديقة الإسلامية من خلال الأساليب التالية(39): أ- وضع النافورات والمسطحات المائية في أفنية داخلية محاطة بسور عال أو مبان من جميع الجهات ، مما يوفر حماية من الرياح القوية المتربة الحارة مع إيجاد علاقة بصرية قوية مع المشاهد ، ويختلف ذلك اختلافا جذريا عن الحضارة الأوروبية في فترة ما بعد النهضة ، حيث إن تلك الحضارات كانت تميل إلى الاستعراض وإظهار القوة والبذخ ، بينما كانت فلسفة الحضارة الإسلامية في استعمال المياه مرتبطة بنواح وظيفية والاستمتاع الحسي والروحي. ب- الحماية من الشمس: بوساطة نباتات محيطة بمجرى الماء وضيق القنوات التي يتحرك فيها الماء، مما يقلل معدل البخر وفقدان الماء ويعمل انعكاسات جميلة . ج - تقليل حجم الماء المستعمل مع المحافظة على نفس مسطح الماء الظاهر بتصميم قناة الماء على شكل نصف بيضاوي أو على شكل زهرة اللوتس. د- استخدام رذاذ الماء الرفيع المندفع بقوة water jets مما يعطي إحساسا جميلا وصوتا رقيقا مع ترطيب الجو بأقل كمية ماء ممكنة . و- عدم إهدار المياه المنصرفة من المسطحات المائية ، وذلك بإعادة استخدامها في الري كما في فناء البرتقال بمسجد أشبيلية . لقد جاء استخدام الماء في الحدائق الإسلامية على درجة عالية من الرقي التصميمي سواء من النواحي الجمالية أو لتحقيق حلول مناخية لتلطيف الجو مع استخدام أقل قدر ممكن من الماء، وهو ما يتماشى مع تعاليم الإسلام والتي تحارب التبذير والإسراف في كل شيء، فما باللك بالماء وهو أصل الحياة. ج- المجالس المظللة والمكشوفة: لقد تم تزويد الحدائق الإسلامية بالأرائك والمجالس التي كانت غالبا ما تختار بالقرب من النباتات والمسطحات المائية للاستمتاع بها عن قرب ، ولقد تحدث القرآن الكريم عن المجالس في الجنة حيث يقول سبحانه وتعالى: "إن الأبرار لفي نعيم ، على الأرائك ينظرون "(22-23المطففين ). لقد كانت تستعمل المجالس المكشوفة من الخشب أو الحجر أو المكسوة بالبلاط القيشاني الملون ، كما كانت تستعمل الأكشاك الخشبية كمجالس مظللة حيث المناخ حار والشمس ساطعة أغلب النهار، وكان لها فتحات صغيرة بجدرانها تمكن الجالس بداخلها من مشاهدة ما يجري خارجها . ومن الأمثلة المعاصرة أن الخيام استخدمت في منتزه "السويدى" بمدينة الرياض كمناطق للجلوس(40)، وكأن المصمم قد استلهم ذلك من وصف الرسول عليه الصلاة والسلام :"إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا ..." (41)، وهذه الخيام على شواطئ الأنهار في حدائق الجنة . د- الروائح الزكية والأصوات الجميلة: تعتبر الروائح الزكية أحد العناصر المهمة لإدخال البهجة والسرور والإمتاع الحسي عن طريق حاسة الشم ، ويخبر القرآن الكريم والأحاديث النبوية بأن الجنة لها رائحة زكية فيقول الله سبحانه وتعالى: " فأما إن كان من المقربين ، فروح وريحان وجنة نعيم " (87 و 88- الواقعة)، كما يقول الرسول عليه الصلاة والسلام : " إن ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام " (رواه الطبراني) (42). لذلك فقد روعي في النباتات المستعملة في الحديقة الإسلامية أن تكون ذات رائحة جميلة أو أزهار فواحة العطر، أو فواكه ذات رائحة زكية ؛ مما يكسب البناء رائحة طيبة بشكل دائم مما يضيف بعدا جديدا للاستمتاع الحسي. أما الأصوات الجميلة فلها تأثيرات سمعية تدخل على النفس الهدوء والسكينة ، مع تلافي الضوضاء والأصوات المزعجة ، وهو ما يشير إليه قول الله سبحانه وتعالى: " في جنة عالية ، لا تسمع فيها لاغية " (10 و 11 - الغاشية )، فمع أصوات النوافير وخرير مياهها، وزقزقة الطيور المختبئة في أشجار الحديقة والمتداخلة مع الأصوات الإنسانية داخل الحديقة ، يكتمل اللحن الخاص بالمبنى (43). و- استخدام الخط والكتابات العربية جاء استخدام الكتابة العربية بالخطوط المختلفة (كوفي أو ثلث ...) لكتابة الآيات القرآنية في أجزاء كثيرة من الحديقة الإسلامية , خاصة على أبوابها، تيمنا وتذكيرا بنعم الله وبفضله ، ومن الجائز أن المسلمين قد استلهموا هذا المعنى من قوله تعالى: " ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله " (الآية 39- الكهف )، إلى جانب الأحاديث النبوية التي أخبرت بأنه مكتوب على باب الجنة لا إله إلا الله محمد رسول الله . ومن نماذج الآيات والكتابات التي استخدمت في الحدائق مايلي : " لا اله إلا الله - الله الواحد الأحد - ما شاء الله - ولاغالب إلا الله - ان ينصركم الله فلا غالب لكم "، وفي مداخل الحديقة " ادخلوها بسلام آمنين - جنات تجري من تحتها الأنهار "، وللاستيعاذ بالله من الحاسدين كتب " يا حفيظ - فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين "، وكلها تعبر عن الإيمان العميق بالله (44). وفي ساحة فناء " الريحان " بقصر الحمراء بغرناطة فإن الداخل يجد كلمات تبرق على الجدران مثل : " السعادة " و" البركة " و" الازدهار " و" الصحة الباقية " و" الحمد لله على نعمة الإسلام " (45). مما سبق يتضح أن العناصر الأساسية للحديقة الإسلامية قد استلهمت من معاني آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة التي تصف الفردوس, وهو ما أكد عليه " جون أدي " بقوله (46): " لقد كانت الحديقة عند المسلمين هي تصويرا للجنة أو الفردوس فى الدار الآخرة ". رابعا: التكامل بين الحديقة الإسلامية والفناء الداخلي ارتكز تصميم الحدائق الإسلامية على المفاهيم والتقاليد الإسلامية ، وتأكيدا لهذا المفهوم فقد حرص المصمم المسلم على أن توجد الحدائق وبخاصة الملحقة بالمساكن داخل أفنية في منأى عن أعين المتطفلين والغرباء، إذ إنها داخل البناء أو خلفه ولا تقع أمامه للتفاخر بمنظرها بل للحاجة والمنفعة (47)، بحيث أصبح مصطلح المبنى ذي الفناء الداخلي يفهم بمعنى المبنى ذي الحديقة الداخلية في العمارة الإسلامية . وفي البيوت العربية الإسلامية كان للفناء إلى جانب دوره في تلطيف جو المبنى دور آخر في تأكيد خصوصية العائلة المسلمة ، حيث تطل فتحات الغرف عليه كمحور جذب رئيسي للمسكن ، فكان لزاما أن يعتنى به ، وأن يتم تنسيقه بالطريقة التي تجعله قادرا على تأدية وظيفته ؛ فاختيرت له مواد الأرضيات الجميلة من الأحجار والرخام الملون ، وصممت نافورات المياه فيه من الرخام والفسيفساء بأشكال هندسية جميلة ، كما جعل الماء يتدفق فيه على شكل سلسبيل في بعض الأحيان ، مما كان له الأثر الكبير في تخفيض درجات الحرارة بداخله (48). إن الاهتمام بعنصري الماء والنباتات في وسط فناء المنزل ، وتكرار هذه الظاهرة وشيوعها في المدن الإسلامية ، جعلت فناء المنزل مكان الانطلاق نحو السعة والخضرة والماء في حرم آمن بعيدا عن عيون الآخرين (49) , وهكذا وجدت المدينة الإسلامية في منازلها البديل عن الشوارع الواسعة والميادين والساحات الخضراء والفساقي العامة التي تزينها فيما توافر بأفنية هذه المنازل . ولم يقتصر وجود الحدائق على أفنية المنازل فقط ففي بعض مناطق العالم الإسلامي كالأندلس - على سبيل المثال - تم زراعة أفنية المساجد، وهو ما سوف نشير إليه بصورة أكثر تفصيلا عند الحديث عن الحدائق الأندلسية ، ولم تقتصر ظاهرة زراعة صحون المساجد على مساجد الأندلس فقط، بل تأثرت بعض المساجد في مصر بذلك ، كمسجد العطارين بالإسكندرية ، الذي جدد بناءه أمير الجيوش بدر الجمالي في سنة 477 هجرية - 1084م وغرس صحنه بالأشجار (50). ومما يؤكد السعي وراء تحقيق الغرض الجمالي من توفير المسطحات الخضراء والروائح الجميلة بصحون المساجد ما نراه متمثلا في جامع الياسمين بمدينة " طبرية "، ففي وسط المسجد ساحة كبيرة (صحن ) ملئت بأحواض زرع فيها شجر الياسمين ، ولذلك سمي بمسجد الياسمين (51). كما جاء استخدام عنصر الماء في بعض المساجد من خلال فساقي الوضوء التي وضعت في صحون هذه المساجد، كما في قبة الوضوء الموجودة بمسجد أحمد بن طولون ، وقبة نافورة مسجد السلطان حسن ، ونافورة مسجد المؤيد شيخ ، ونافورة مسجد محمد على وغيرها (52)، وهي كلها موجودة بالقاهرة . وجدير بالذكر أن أنواع أخرى من النوافير(غيرمخصصة للوضوء) قد وجدت بالصحون الداخلية بمباني الوكالات (كوكالة الغوري بالقاهرة مثلا) من أجل الاستمتاع البصري والسمعي وكبؤرة جذب داخل الفراغ فتزيد من حيويته وجماله . واذا كان ارتباط الحديقة الإسلامية بالفناء الداخلي ارتباطا حيويا وجوهريا؛ فهذا لا يعني خلو المدينة الإسلامية وطرقها من الحدائق الخارجية تماما، فهناك بعض الطرق التي تم إنشاؤها لغاية جمالية مقصودة ؟ كالطريق الذي أنشئ في أصفهان وأمر بإنشائه الشاه عباس ، وهو طريق يمتد من ميدان نقش جيهان ويعبر نهر زايندة عبر قنطرة تسمى " قنطرة الله وردي خان "، ثم يمتد أسفل الجبل الموجود جنوبي أصفهان ، وغرست على جانبيه أربعة صفوف من شجر " الدلبا "، ولهذا عرف بشارع الحدائق الأربع ، ويبلغ طول هذا الطريق أكثر من ثلاثة كيلومترات ، وأنشئت في نهايته حديقة عظيمة واسعة متدرجة بين مرتفع ومنخفض تصل إلى تسع طبقات أطلق عليها حديقة عباس آباد (53). خامسا : نماذج من حدائق العالم الإسلامي على الرغم من أن الأسلوب التصميمي للحدائق الإسلامية يتبع تقاليد معينة كما أشرنا آنفا، ولكن لا يمنع هذا من وجود بعض الاختلافات التي تمليها البيئة والثقافة المحلية لبعض مناطق العالم الإسلامي، من هنا فلقد وجدنا أنه من الأهمية أن نتعرف على بعض النماذج المختلفة والمتنوعة من طرز الحدائق في عدة مناطق من العالم الإسلامي. ا-الحدائق الأندلسية من أهم المميزات التي تتصف بها العمارة الأندلسية هي استخدام العناصر الطبيعية (الماء والنبات ) ودمجها في عمائرها، خاصة بالمساجد والقصور، وقد تكاملت هذه الحدائق مع الأفنية الداخلية للمباني لدرجة إلى أن البعض قد وصف الأندلس بأنها " حديقة الحضارة الإسلامية " (54). وقد تميزت الحديقة الأندلسية باستخدام النباتات دائمة الخضرة ، وكذلك النباتات والأشجار ذات الروائح الزكية (كأشجار البرتقال في صحن جامع قرطبة والريحان في قصر الحمراء)، أو باستخدام الزهور ذات الروائح الجميلة كالياسمين والبنفسج . ويعتبر قصر الحمراء وقصر البرطل (السقيفة أو الظلة ) وجنة العريف أكمل مجموعة إسلامية للقصور الأندلسية ، وتعد من أبدع مبانيها, وقد شيدت على ربوة عالية تشرف على العاصمة غرناطة . ويضم قصر الحمراء جناحين كبيرين من الأبنية (55): الأول جناح قمارش , وهو يضم قاعة السفراء، أفخم وأعظم أبهاء الحمراء كلها، وهي عبارة عن بهو مستطيل تظلله قبة يبلغ ارتفاعها ثلاثة وعشرين مترا، ويطل على فناء الريحان أو فناء البركة ، ويعلو بهو السفراء برج قمارش وهو من أعظم أبراج الحمراء، والثاني جناح الأسود ويشتمل هذا الجناح على فناء الأسود عبارة عن فناء مستطيل يحيط به من الجوانب الأربعة أروقة ذات عقود محمولة على أعمدة رشيقة من الرخام الأبيض ، وفي وسط كل ضلع من الضلعين القصيرين من أضلاعه جوسق بارز. وتعتبر حدائق قصر الحمراء من أجمل الأمثلة التي يمكن الاستشهاد بها عن جمال الحدائق الإسلامية وتكاملها وانسجامها الطبيعي مع الأفنية الداخلية ، وهذه الحدائق متكررة بشكل متنوع في أفنية القصر التي تارة ما تأخذ الشكل المستطيل ، مثل فناء الأسود أو فناء البركة (الريحان )، أو شبه مربع مثل فناء دار عائشة ، ولكن كل تلك الأفنية اجتمعت حول عنصرين أساسيين هما : الماء والخضرة . ومن أجمل أمثلة الحدائق التي أقيمت على سفوح التلال والروابي هي حدائق جنة العريف ، حيث تقع على سفح ربوة ، لذلك جاء المصمم لتلك الحدائق بفكرة وضعها على شكل مدرجات لا يتعدى عرض أوسعها ثلاثة عشر مترا، ولا يزيد عددها على ستة مستويات ، ويلعب الماء دورا أساسيا إذ ينهمر من أعلى الحديقة من عيون تصب في قنوات تمر عبر الأشجار، وفي المستوى الأول قناة طويلة وبركة ، وهذا ما يظهر مدى العناية التي أولاها العرب هناك للماء، وكيف حرصوا عليه ولم يفرطوا فيه ، وعلى رغم امتداد الحديقة على سفح الربوة إلا أنها لم تترك مغلقة الأطراف ، بل تكونت من أجزاء تكاد تكون مغلقة تحف بها الأشجار تارة وأقواس مبنية تارة أخرى، وهي كناية عن رغبة سكانها في تكوين عدد متدرج من الأفنية بدلا من تركها مستوية ومفتوحة (56). أما عن حدائق القصر في أشبيلية فإن الجزء الغربي منها والملاصق للقصر يتكون من ثلاثة أفنية مغلقة يحيط بها سور يعلوه ممر للنزهة ، ويتوسط الماء الفناء وتمتد قنوات الماء من نافورة إلى أخرى، وهناك مقاعد مبنية في أحد الأفنية علامة على تعبير مصممي الحدائق العرب المهرة عن رغبتهم في تقديم وسائل تسهل من استعمال المقاعد (57). وفي الأندلس لم يقتصر وجود الحدائق على أفنية المساكن أو القصور فقط بل امتدت إلى أفنية العديد من المساجد، فمن الملامح التي تميز بها مسجد قرطبة هو غرس صحنه بالأشجار، اتباعا لمذهب الإمام الأوزاعي الذي يعد على رأس المذاهب الفقهية الإسلامية التي أجازت ذلك (58)، وقد تابع حكام الأندلس هذا التقليد في مساجد الأندلس ، كما في صحن جامع مالقة, حيث زرع بأشجار النارنج البديعة ، وجامع المرية الذي كان مغروسا بأشجار الليمون والنارنج ، وجامع القصبة الكبير بأشبيلية وغيرها (59). 2- الحدائق الأناضولية بتركيا بدخول الإسلام في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) أثرى ذلك وعجل - إلى حد كبير- بمفهوم الأتراك العثمانيين للحديقة ، فقد أصبحت فكرة " حديقة الجنة " المفهوم الذي أضاف إلى نظرتهم للطبيعة . إن أهم مميزات الحديقة الأناضولية التركية هي أنها كانت للعيش فيها وليست فقما لتوفير المنظر الجميل ، بمعنى آخر أن النظرة الوظيفية لمفهوم الحديقة عندهم جعل الحرص على تجميلها من أجل العيش فيها وليس لمشاهدتها كلوحة فنية فقط، لذلك فإن اختيار موقع الحديقة يتطلب التفكير في نوع الأرض والمنظر المطلوب وهوائها الصحي وقربها من منبع المياه . كما تميزت الحديقة في تركيا بأنها كانت تخطط أولا ثم يتم وضع المبنى فيها ثانيا (60)، ولهذا السبب نجد ان معظم القصور العثمانيه في اسطنبول تعرف " حدائق " وليس بـ " قصور " على الرغم من أنها اشتملت على مباني قصور مثل حديقة " توكاد "، وحديقة " جوكسو " وحديقة " تشراغان " (61). وقد كان يتم اختيار مواقع هذه القصور في أماكن جيدة مناخيا، وكانت حدائقها تستعمل للتسلية أو للحفلات الرسمية ، كما كان الاهتمام أيضا باختيار المواقع المطلة على المياه أو على ساحل البحر كما في اسطنبول على سبيل المثال ، من أجل هذا السبب فان الحديقة التركية لم تتأثر بفكرة المحاور فهي أقرب إلى الشكل الطبيعي منها للشكل الهندسي. ونظرا إلى أن الحديقة التركية كانت مكانا للعيش والسكن فقد تم تجنب استعمال المدرجات ذات المستويات المختلفة العالية لمنع صعوبة المشي فيها، وعلى الرغم من أن المباني داخل الحديقة لا تحدد المخطط العام لها إلا أنه روعي إيجاد علاقة بين داخل المبنى والحديقة خارجه ، فقد اختيرت فتحات النوافذ في أماكن يمكن من خلالها استقبال مناظر معينة من الحديقة وسماع صوت انسياب الماء، وليس من النادر أن يكون هناك عنصر مياه (مثل السلسبيل ) أو نافورة في منتصف القاعة . إن المبنى ليس متطلعا فقما لاستقبال ما تقدمه الطبيعة وانما كذلك يمتد نحو الخارج ليحدد فراغات خارجية شبه مغلقة وهذا يكمل معنى آخر من معاني التكامل بين الداخل والخارج ، وهذا الامتداد الخارجي للمبنى يكون مرصوفا ويطل على تشكيلة من الزهور أو المياه ، وترتيب مماثل ، لهذا كان متوفرا دائما جانب كشك الحديقة الذي وضع في مكان يسمح بالتمتع بمنظر جيد ونسمات الصيف الباردة . لقد زرعت الأشجار في بعض الأحيان بطريقة منظمة في صف لتحديد وتظليل الممرات ، أو في شكل يماثل لوحة الشطرنج ليظلل بانتظام جزءا من حديقة كبيرة ، وعلى كل حال ففي الحدائق متوسطة الحجم زرعت الأشجار بنظام اقتضته الحاجة لتظليل وحجب مناطق معينة تناسب الجلوس تحتها أو لتحديد منظر من أجل التأكيد عليه ، كما زينت أحواض الزهور البسيطة المنطقة القريبة من عنصر المياه الدائم ، مثل النافورة أو البركة الصغيرة ، وعند الأتراك العثمانيين فإن لون الزهرة أو التنسيق الحاذق للأزهار في أحواض الزرع ذات التصميم المعقد لم يكن مهما، فالزهور تختار أكثر لرائحتها وقد فضل القرنفل والورد في كل الأوقات ، وحيث إن الأتراك العثمانيين يعتقدون أن المياه الراكدة غير طاهرة ، وغير مقبولة من الناحية الدينية فقد استعملت المياه الجارية ، ولذا كثرت النوافير متعددة الطبقات أو السلسبيلات متعددة الأحواض (62). ويعتبر قصر " توب كابي " من أشهر القصور المعروفة في اسطنبول والذي بدأ بناؤه السلطان محمد الفاتح ، وقد بني في موقع الأكروبوليس القديم للبيزنطيين ، وكان مقرا للسلاطين العثمانيين في الفترة ما بين القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر الميلادي (63)، وتغطي مساحة القصر بحدائقه مساحة 69.000 متر مربع بمحيط 5 كيلومترات ، وتحتوي على خمس مجموعات من المباني مجموعتان للمكاتب الحكومية وخمس مدارس و12 مكتبة و22 نافورة ، وعدة برك كما يحتوي على أكشاك حديقة كبيرة وأجنحة خاصة على الشاطيء، وقد خططت الحدائق على شكل ممرات مكشوفة تحيط بالقصر من الشمال والغرب والشرق , وهناك حدائق للفاكهة والخضروات ومساحة واسعة تركت للصيد وممارسة أنواع أخرى من الرياضة (64). وفي العصر العثماني أدخلت المسطحات الخضراء على التكوين المعماري للمساجد بهدف وقايتها من أخطار الحرائق ، فقد جرى التعارف على أن النار تشتعل في المنازل التي كانت تبنى بالخشب وتمتد منها إلى المساجد المجاورة ، مما حدا بالمعمار سنان أن يحيط الجامع وملحقاته بسور خارجي، بينه وبين التكوين المعماري للمسجد مساحات كبيرة خالية غرست بها الأشجار الباسقة وأنواع الزهور المختلفة التي تعزل المسجد عن الدور المجاورة ، وتحقق في ذات الوقت قيمة جمالية بكسائها الأخضر وزهورها الملونة ، ويعتبر مسجد السليمانية باسطنبول أحد الأمثلة المشهورة لاستخدام أسلوب المسطحات الخضراء والأشجار لتحقيق الأهداف السابق ذكرها (65). 3- الحدائق الإيرانية يصف السير جون تشاردين Sir John Chardin الحديقة الإسلامية في إيران ، من خلال رحلاته لهذه المنطقة في القرن السابع عشر، بوصف موجز فيقول (66) : " الحديقة الإيرانية تتكون عادة من ممشى رئيسي كبير مستقيم يقسم الحديقة ، ويحدها من كل جانب صف من المزروعات مع وجود حوض ماء في المنتصف ، والحديقة تزرع بالزهور وأشجار الفاكهة ". إن الأسلوب الأساسي المتبع في تخطيط الحديقة الإيرانية منذ عهد الساسانيين أسلوب معروف باسم " تشار باغ " Char bagh حيث تقسم الحديقة عن طريق محورين أساسيين يتقاطعان عادة في منتصفها، وفي حالة المحاور الرئيسية فيجري تشكيلها بقنوات المياه والممرات الواسعة الطويلة ، أما المحاور الفرعية فتتقاطع مع المحاور الرئيسية بحوض ماء أو " بافليون " ، وفي الغالب فإنه يوجد عدد أكبر من البافليونات في ركنين أو أربعة أركان من الحديقة ، ولتحقيق المزيد من الخصوصية فان الحديقة تحاط بأسوار عالية تبنى عادة من الطوب ، وفي حالة الحدائق الملكية فإنه يتم تدعيم هذه الأسوار بالأبراج . وبالنسبة لأسلوب استخدام الماء في الحديقة الإيرانية فإن القنوات المستقيمة تحدد مساحات الحشائش والمناطق الخضراء، أما أحواض الماء فتتنوع أحجامها من الكبيرة جدا إلى الصغيرة ، وغالبا ما تحتوي على نافورة واحدة أو عدة مخارج لقاذفات الماء، كما تتنوع أشكال الأحواض المائية ما بين المربعة والدائرية والمثمنة وغيرها (67). وتعتبر مدينة أصفهان من أهم أمثلة المدن الإسلامية التي تتميز بتنسيق شوارعها وميادينها الرئيسية ، وإذا كنا قد سبق أن أشرنا إلى الطريق الذي أنشأه الشاه عباس ويطلق عليه طريق الحدائق الأربعة ، فإننا نشير هنا أيضا إلى ميدان الشاه عباس ، الذي يعتبر من أكبر الميادين في العالم وكان يستخدم للعبة الصولجان (البولو) في عهد الشاه عباس ، أما الآن فهو مزروع بالنباتات والأشجار والمروج الخضراء، ويحيط بالميدان جدار، من طابقين به بوائك ذات عقود مدببة سلجوقية الطابع ، ويقطع هذه البوائك ثلات بوابات عالية تؤدي إلى: بوابة " على قابو " وكانت تؤدي إلى القصر الذي كان يقيم به الشاه وبلاطه ، وبوابة جامع " الشيخ لطف الله " ، وكانت تؤدي إلى مسجد الشيخ لطف الله ، وأخيرا بوابة مسجد الشاه التي تؤدي إلى مسجده (68). 4- الحدائق الهندية اهتم الطراز الهندي أساسا بالمعمار على حساب تنسيق واستعمال النباتات ، ولكن جاء استخدام النباتات لتكمل صورة النافورة أو الميدان وكثر استخدام الأشجار والشجيرات المنتظمة النمو مثل المخروطيات ، كما استخدمت أحواض الزهور الزاهية الألوان وأعملت تضادا جميلا مع ألوان المباني والمنشآت البيضاء الفاتحة الألوان (69). وقد بلغت العمارة المغولية الهندية أكبر إنجازاتها في ضريح " تاج محل " الذي شيده الإمبراطور " شاه جهان " في أجرا 1039 هجرية - 1629م لزوجته تاج محل ، ويعد هذا المبنى من أشهر العمائر الإسلامية في العالم الإسلامي، كما ذاع صيته في العالم أجمع ، ويقع هذا الضريح على ضفة نهر " جمنا " وهو متام على شرفة مرتفعة في نهاية حديقة مستطيلة تتخللها أحواض الماء. وبدراسة تنسيق موقع الضريح نجد أنه يمتاز بالبساطة الكلاسيكية ، حيث يعبر الداخل إلى الحديقة على بافليون في الجهة المقابلة تماما للضريح ويحيط بالضريح من جانبه الشرقي منزل للمقابلات ومن الجانب الغربي مسجد أما من الجهة الشمالية فيطل على نهر " جمنا "، ومن الجهة الجنوبية توجد الحديقة الرئيسية الملحقة بالضريح وهي مصممة بأسلوب " تشار باغ ", الذي سبق أن أشرنا إليه ، في تصميم الحدائق الإيرانية ، حيث يوجد محوران أساسيان تمثلهما قناتان مائيتان تتقاطعان في منتصف الحديقة المربعة في خزان ماء مرتفع ، أما الأربعة أركان فتشغلها المسطحات الخضراء. ويتكرر هذا الأسلوب في تنسيق الحديقة الهندية في ضريح " اعتماد " في أجرا ، ولكن في هذه الحالة فإن الضريح يقع على شرفة في مركز الحديقة المربعة وفي كل جهة من الجهات الأربع يوجد حوض ماء أما واجهات الضريح ، وتنقسم الحديقة إلى أربعة أجزاء مزروعة بالمسطحات الخضراء والأشجار. ويتكرر الأسلوب التصميمي نفسه في ضريح " همايون " في دلهي، حيث يتوسط الضريح الحديقة المسورة ، مع تقسيم الحديقة عن طريق القنوات المائية الخارجة من الأحواض المائية بأسلوب " تشار باغ " نفسه ، إلى قطع مربعة من المسطحات الخضراء المزروعة بالأشجار، ويتضح هنا أسلوب التقسيم الهندسي للحديقة إلى مجموعة من المسطحات الخضراء المربعة التي تحدها الممرات والقنوات المائية التي تتقاطع في مناطق معينة في الأحواض المائية ذات المنسوب المنخفض عن أرضية ممرات الحديقة (70).
|
|
|
#2 | |
![]()
» أنَـﺈ أنثےَ لآ أشبـہۧ نسَـﺈء الگوُטּ ..!
|
تسلم رضا ع الموضوووع
|
|
|
|
|
#3 | |||||||||||||||||||||||||||
![]()
Sorry For Disturb
|
|
|||||||||||||||||||||||||||
|
||||||||||||||||||||||||||||
|
|
#5 | |
![]()
Sorry For Disturb
|
من عنيه الاثنين معمارى
|
|
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| مبانى, المدينة, المعالجات, المناخية, الإسلامية:, تخطيط, وتصميم |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| اغرب تخطيط هندسي في لاس فيغاس | Egyptian Falcon | عالم الصور | 3 | 07-30-2010 12:38 AM |
| صور لأغرب مباني بالعالم | ***خالد*** | عالم الصور | 6 | 06-12-2010 11:33 AM |
| اسعار المعالجات | ThE PRINCE | الكمبيوتر ولوازمه | 2 | 02-05-2010 05:40 AM |
| قصيدة يا ساكني طيبة وتصميم فيديو للمنشد محمد عطاس الحبشي | احمد رمضان | الصوتيات والمرئيات | 0 | 12-03-2009 09:20 PM |
| مبانى نحيفه جداً | نـــ Nour ـــور | عالم الصور | 10 | 03-31-2009 10:56 PM |
جميع المواضيع والمشاركات المكتوبه لا تعبر بالضروره عن وجهة نظر الموقع وإنما عن وجهة نظر الاعضاء وكاتبها